رسالة: أنواع التوحيد
-------------
وقال أيضا قدس الله روحه:
اعلم أرشدك الله! أن الله خلقك لعبادته، وأوجبعليك طاعته؛ ومن أفرض عبادته عليك معرفة لا إله إلا الله، علما وقولا وعملا؛ والجامع لذلك قوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) (آل عمران 103). وقوله: (شرع لكم من الدين ما وصي به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه).(الشورى: 13).
فاعلم أن وصية الله لعباده هي كلمة التوحيد, الفارقة بين الكفر والإسلام؛ فعند ذلك افترق الناس, سواء جهلا, أو بغيا, أو عناداً؛ والجامع لذلك اجتماع الأمة على وفق قول الله: (أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه). وقوله: (قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني).(يوسف: 108).
فالواجب على كل أحد إذا عرف التوحيد وأقربه أن يحبه بقلبه وينصره بيده ولسانه، وينصر من نصره ووالاه.
وإذا عرف الشرك وأقربه أن يبغضه بقلبه, ويخذله بلسانه، ويخذل من نصره ووالاه باليد واللسان والقلب؛ هذه حقيقة الأمرين؛ فعند ذلك يدخل في سلك من قال الله فيهم: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا).(آل عمران: 103).
فنقول: لا خلاف بين الأمة أن التوحيد لابد أن يكون بالقلب الذي هو العلم. واللسان الذي هو القول. والعمل الذي هو تنفيذ الأوامر والنواهي؛ فإن أخل بشيء من هذا لم يكن الرجل مسلما, فإن أقر بالتوحيد, ولم يعمل به, فهو كافر معاند, كفرعون وإبليس، وإن عمل بالتوحيد ظاهراً, وهو لا يعتقده باطناً, فهو منافق خالصاً, أشر من الكافر؛ والله أعلم.
قال رحمه الله: وهو نوعان: توحيد الربوبية؛ وتوحيد: الألوهية.
أما توحيد الربوبية فأقر به الكافروالمسلم؛ وأما توحيد الألوهية فهو الفارق بين الكفر والإسلام؛ فينبغي لكل مسلم أن يميز بين هذا وهذا.
ويعرف أن الكفار لا ينكرون أن الله هو الخالق الرازق المدبر؛ قال الله تعالى: (قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون). الآية (يونس: 31).
وقال: (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله) (العنكبوت: 61).
فإذا تبين لك: أن الكفار يقرون بذلك, عرفت: أن قولك , لا يخلق , ولا يرزق إلا الله , ولا يدبر إلا الله؛ لا يصيرك مسلماً, حتى تقول: لا إله إلا الله, مع العمل بمعناها؛ فهذه الأسماء , كل واحد منها , له معنى يخصه.
أما قولك: الخالق , فمعناه: الذي أوجد جميع مخلوقاته , بعد عدمها؛ وأما قولك: الرازق , فمعناه: أنه لماأوجد الخلق , عليهم أرزاقهم؛ وأما المدبر , فهو الذي تنزل الملائكة من السماء إلي الأرض بتدبيره , وتصعد إلى السماء بتدبيره؛ ويسير السحاب , بتدبيره ,وتصرف الرياح ,بتدبيره, وكذلك جميع خلقه , هو الذي يدبرهم , على ما يريد؛ فهذه الأسماء , التي يقر بها الكفار , متعلقة بتوحيد الربوبية.
وأما توحيد: الألوهية، فهو قولك: لا إله إلا الله؛ وتعرف معناها، كما عرفت معنى الأسماء المتعلقة بالربوبية، فقولك: لا إله إلا الله، نفي، وإثبات؛ فتنفي: الألوهية كلها، وتثبتها لله وحده؛ فمعنى: الإله، في زماننا: الشيخ، والسيد. الذي يقال فيهما، أو غيرهما: سر؛ ممن يعتقد فيهم أنهم: يجلبون منفعة؛ أو: يدفعون مضرة؛ فمن اعتقد في هؤلاء، أو غيرهم، نبيا كان أو غيره، فقد اتخذه إلها من دون الله.
فإن بني إسرائيل: لما اعتقدوا في عيسى ابن مريم، وأمه، سماهما الله إلهين؛ قال تعالى: (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك مايكون لي أن أقول ماليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم مافي نفسي ولاأعلم مافي نفسك إنك أنت علام الغيوب) (المائدة: 116) ففي هذا: دليل على أن من اعتقد في مخلوق، لجلب منفعة، أو دفع مضرة، فقد: اتخذه إلها؛ فإذا كان الاعتقاد في الأنبياء، هذاحاله، فما دونهم أولى.
وأيضا: فإن من تبرك بحجر، أو شجر، أو مسح على قبر، أو قبة يتبرك بهم، فقد: اتخذهم آلهة؛ والدليل على ذلك: أن الصحابة لما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط، يريدون بذلك التبرك، قال: " الله أكبر: إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده، كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون، إن هؤلاء متبر ماهم فيه وباطل ماكانوا يعملون، قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين) (الأعراف: 138 – 140).
فمثل: قول الصحابة في ذات أنواط، بقول بني إسرائيل، وسماه إلها؛ ففي هذا: دليل على أن من فعل شيئا مما ذكرنا، فقد اتخذه إلها.
والإله هو: المعبود، الذي لا تصلح العبادة إلا له، وهو الله وحده؛ فمن نذر لغير الله، أو ذبح له، فقد: عبده؛ وكذلك: من دعا غير الله قال الله: (ولا تدع من دون الله ما لاينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين) (يونس: 106) وفي الحديث: " الدعاء مخ العبادة " وكذلك: من جعل بينه، وبين الله واسطة، وزعم أنها تقربه إلى الله، فقد عبده
وقد ذكر الله ذلك عن الكفار، فقال تعالى: (ويعبدون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤناعند الله) (يونس: 18) وقال تعالى: (والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) (الزمر: 3) وكذلك ذكر عن الذين: جعلوا الملائكة وسائط، فقال، (ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون، قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون) (سبأ: 40 – 41).
فذكر سبحانه: أن الملائكة نزهوه عن ذلك، وأنهم تبرؤوا من هؤلاء، وأن عبادتهم كانت للشياطين، الذين يأمرونهم بذلك، وذكر سبحانه عن الذين: جعلوا الصالحين وسائط، فقال تعالى: (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا، أولئك الذين يدعون يبتغون الى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا) (الإسراء: 56 – 57) وذكر سبحانه: أنهم لا يملكون كشف الضر عن أحد، ولا عن أنفسهم؛ وأنهم لا يحولونه عن أحد؛ وأنهم يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب، ويرجون رحمته، ويخافون عذابه؛ فهذا: يبين لك معنى لا إله إلا الله.
فإذا عرفت: حال المعتقدين في عيسى بن مريم؛ والمعتقدين في الملائكة، والمعتقدين في الصالحين؛ وحالهم معهم، أنهم: لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا، فضلا عن غيرهم، عرفت: أن من اعتقد فيمن دونهم أضل سبيلا؛ فحينئذ: يتبين لك معنى لا إله إلا الله، والله أعلم.