سئل الشيخ: محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى:
قال السائل: ما يقول الشيخ شرح الله له صدره ويسر له أمره، في مسائل أشكلت عليَّ، فيما يجب علينا من معرفة الله.
أولًا إذا كان موجب الإلهية الربوبية فإني أراك قليل التعريج عليها عند تقرير الإلهية؟.
ويشكل عليَّ أيضاً: كون مشركي العرب أقروا به هل يكون من غير معرفة لوضوحه؟ أم توغلوا في التقليد، ولم يلتفتوا للحقيقة الموجبة للعبادة؟ أم زعمهم أن هذا شيء يرضاه الرب؟ أم كيف الحال؟.
أيضاً: كلمة التوحيد، كونها محتوية على جميع الدين، من إنزال الكتب، وإرسال الرسل، وأنها نافية جميع المقصودات، المسماة بالآلهة الباطلة، إذ حدها القصد، فتسمى بذلك من غير استحقاق، لأنها: مخلوقة مربوبة مقهورة، والواحد في القصد، هو الواحد في الخلق؛ وتكلم الناس في معناها وعملها، وأن ألفاظها مجردة من غير معرفة لا يفيد شيئاً، لكن نظرت في حديث الشفاعة الكبرىعند قوله سبحانه: (عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً) (الإسراء: 79)وإخراجه العصاة من أمته بإذن ربه حتى قال: " أذن لي فيمن قال لا إله إلا الله " هذا مشكل علي جداً، وقاصر فهمي عن معرفته، إذا كانت كلمة التوحيد هي الغاية، وتقييدها بالمعرفة مع العمل، وإخراجه صلى الله عليه وسلم من كان في قلبه أدنى مثقال حبة خردل من إيمان؛ فأنت – جزاك الله خيراً – بيّن لي معنى هذا الكلام، لا أضل ولا أضل .
وأخبرك: أني غافل عن الفهم في الربوبية، وما فهمي بجيد في الإلهية، فحين بان لي شيء من معرفتها، واتضح لي بعض المعرفة في الإلهية بضرب المثل أن فيصل ما استعبد لعريعر إلا لأجل كِبَر ملك عريعر، مع أنه قبيل له، وأظن غالب الناس كذلك، وفيهم من لا يرى الربوبية، ولا يعتبرها، أو يتهاون بها، وهذا تسمعه من بعضهم، فجزاك الله خيراً، صرح بالجواب .
فأجاب:
بسم الله الرحمن الرحيم، إلى الأخ؛ حسن، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: سرني ما ذكرت من الإشكال، وانصرافك إلى الفكرة في توحيد الربوبية، ولا يخفاك: أن التفصيل يحتاج إلى أطول، ولكن ما لا يدرك كله، لا يترك كله، فأما توحيد الربوبية، فهو: الأصل ولا يغلط في الإلهية إلا من لم يعطه حقه، كما قال تعالى، فيمن أقر بمسألة منه: (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنىيؤفكون).
ومما يوضح لك الأمر: أن التوكل من نتائجه، والتوكل من أعلى مقامات الدين، ودرجات المؤمنين؛ وقد تصدر الإنابة والتوكل من عابد الوثن بسبب معرفته بالربوبية، كما قال تعالى: (وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيباً إليه) وأما عبادته سبحانه بالإخلاص دائماً، في الشدة والرخاء، فلا يعرفونها وهي نتيجة الآلهية، وكذلك الإيمان بالله واليوم الآخر، والإيمان بالكتب، والرسل وغير ذلك. وأما الصبر والرضا، والتسليم والتوكل، والإنابة، والتفويض، والمحبة، والخوف، والرخاء، فمن نتائج توحيد الربوبية، وكذلك توحيد الإلهية، هو: أشهر نتائج توحيد الربوبية؛ وهذا وأمثاله لا يعرف إلا بالتفكروفهم العبارة،لا بالمطالعة.
وأما الفرق بينهما: فإن أفرد أحدهما مثل قوله: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) فهو توحيد الإلهية؛ وكذلك إذا أفرد توحيد الإلهية، مثل قوله: (فاعلم أنه لا إله إلا الله) وأمثال ذلك؛ فإن قرن بينهما فسرت كل لفظة بأشهر معانيها، كالفقير، والمسكين .
وأما ما ذكرت من أهل الجاهلية: كيف لم يعرفوا الإلهية إذا أقروا بالربوبية؟ هل هو كذا؟ أو كذا؟ أو غير ذلك؟ فهو: لمجموع ما ذكرت، وغيره .
وأعجب من ذلك: ما رأيت، وسمعت، ممن يدعى أنه أعلم الناس، ويفسر القرآن، ويشرح الحديث بمجلدات، ثميشرح البردة ويستحسنها، ويذكر في تفسيره، وشرحه للحديث أنه شرك، ويموت ما عرف ما خرج من رأسه هذا: هو العجب العجاب؛ أعجب بكثير من ناس لا كتاب لهم، ولا يعرفون جنة، ولا ناراً، ولا رسولاً، ولا إلهاً. وأما كون: لا إله إلا الله، تجمع الدين كله، وإخراج من قالها من النار، إذا كان في قلبه أدنى مثقال ذرة، فلا إشكال في ذلك.وسر المسألة: أن الإيمان يتجزأ، ولا يلزم إذا ذهب بعضه أن يذهب كله، بل هذا مذهب الخوارج، فالذي يقول: الأعمال كلها من: لا إله إلا الله، فقوله الحق، والذي يقول: يخرج من النار من قالها وفي قلبه من الإيمان مثقال ذرة فقوله الحق، السبب مما ذكرت لك من التجزي، وبسبب الغفلة عن التجزي غلط أبو حنيفةوأصحابه في زعمهم أن الأعمال ليست من الإيمان. والسلام.