قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله:
لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين سنة بعثه الله (بشيراً ونذيراً)، (وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً).
ونذكر قبل ذلك شيئاً من أمور الجاهلية، وما كانت عليه قبل بعثته، قال قتادة: ذكر لنا أنه كان بين آدم ونوح، عشرة قرون، كلهم على الهدى، وشريعة من الحق؛ ثم اختلفوا بعد ذلك فبعث الله لهم نوحاً، وكان أول رسول أرسل لأهل الأرض.
قال ابن عباس، في قوله تعالى: (كان الناس أمة واحدة) (البقرة: 213)؛ قال: على الإسلام.
وكان أول ما كادهم الشيطان به تعظيم الصالحين، كما ذكر الله ذلك في كتابه (وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً).(نوح: 23).
قال الكلبي: هؤلاء قوم صالحون، فماتوا في شهر، فجزع عليهم أقاربهم، وقال لهم رجل: هل لكم أن أعمل لكم خمسة أصنام، على صورهم؟ قالوا: نعم، فنحت لهم خمسة أصنام، ونصبها لهم.
وفي غير حديثه، قال أصحابهم: لو صورنا صورهم كان أشوق لنا إلى العبادة؛ فكان الرجل يأتي أباه، وابن عمه، فيعظمه، حتى ذهب القرن الأول، ثم جاء القرن الآخر، وعظموهم أشد من الأول، ثم جاء القرن الثالث، فقالوا: ما عظم أولونا هؤلاء، إلا وهم يرجون شفاعتهم؛ فعبدوهم؛ فلما بعث الله نوحاً، وأغرق من أغرق، وأهبط الماء هذه الأصنام، من أرض إلى أرض، حتى قذفها إلى أرض جدة، فلما نضب الماء، بقيت على الشاطىء، فسفت الريح عليها حتى وارتها، ثم عمر نوح وذريته الأرض، وبقوا على الإسلام ما شاء الله، ثم حدث فيهم الشرك.
وما من أمة إلا ويبعث الله فيها رسولاً، يأمرهم بعبادة الله وحده، وينهاهم عن الشرك.
فمنهم: عاد التي لم يخلق مثلها في البلاد؛ بعث الله لهم: هوداً عليه السلام، وكانوا في ناحية الجنوب، بين اليمن وعمان، فكذبوه فأرسل الله عليهم الريح فأهلكتهم، ونجى الله هوداً ومن معه.
ثم بعثالله صالحا إلى ثمود، وكانوا بالشمال، بين الشام والحجاز (فاستحبوا العمى على الهدى) (فصلت: 17). فأرسل الله عليهم صيحةً فأهلكتهم؛ ونجى الله صالحاً ومن معه.
ثم بعد ذلك أخرج إليهم إبراهيم عليه السلام، وأهل الأرض إذ ذاك كلهم كفار، فكذبوه إلا ابنة عمه سارة، زوجته، ولوطاً أيضاً، فأكرمه الله ورفع قدره، وجعله إماماً للناس، وجعل في ذريته النبوة والكتاب .
ومنذ ظهور إبراهيم لم يعدم التوحيد في الأرض، كما قال تعالى: (وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون) وكان له ابنان، أحدهما:إسحاق عليه السلام، وهو أبو بني إسرائيل، وإسرائيل يعقوب بن إسحاق.
والثاني: إسماعيل عليه السلام، وهو أبو العرب، وقصته وأمه مشهورة، لما وضعها عليه السلام في مكة، وكان هو في الشام، فنشأ إسماعيل عليه السلام في أرض العرب، فصار له ولأولاده ولاية البيت ومكة.
فلم يزالوا بعده على دين إسماعيل، حتى نشأ فيهم: عمروبن لحى بن قمعة، فملك مكة، وكان معظماً فيهم بسبب الدين والدنيا؛ فسار إلى الشام ورآهم يعبدون الأوثان، فاستحسن ذلك، وزينه لأهل مكة، ثم اقتدى بهم أهل الحجاز، وكان له رئي من الجن، فأتاه، فقال: عجل السير والظعن من تهامة، بالسعد والسلامة، ائت جدة، تجد فيها أوثاناً معدة، فأوردها تهامة ولا تهب، ثم ادع العرب إلىعبادتها تجب.
فأتى جدة فاستثارها ثم حملها، فلما حضر الحج دعا العرب إلى عبادتها، فأجابوه، ففرقها في كل قبيلة واحد، فلم تزل تعبد حتى بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فكسرها، وقال: " رأيت عمرو بن عامر يجر قصبه في النار".
وكان أول من سيب السوائب، وغير دين إبراهيم، ونصب الأوثان، وكان أهل الجاهلية إذ ذاك فيهم بقايا من دين إبراهيم، مثل: تعظيم البيت، والطواف به، والحج والعمرة، وإهداء البدن؛ وكانت نزار تقول في إهلالها: لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك.
ومن أقدم أصنامهم: مناة على ساحل البحر، بقديد بين مكة والمدينة، ولم يكن أحد أشد تعظيماً له من الأوس، والخزرج؛ فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً فهدمها عام الفتح، ثم اتخذوا اللات بالطائف، وكان أصله رجلاً صالحاً، يلت السويق للحاج، فمات، فعكفوا على قبره؛ فلما أسلمت ثقيف بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المغيرة بن شعبة فهدمها، ثم اتخذوا العزى، وكانت بوادي نخلة، وبنوا عليها بيتاً وكانوا يسمعون منه الصوت، فلما فتح رسول الله صلى اللهعليه وسلم  مكة، بعث خالد بن الوليد فأتاها فعضدها، وكانت ثلاث سمرات، فلما عضد الثالثة: إذ هو بجنِّيه، نافشة شعرها، فقال خالد، يا عزى: كفرانك، لا سبحانك، إني رأيت الله قد أهانك، ثم ضربها ففلق رأسها، فإذا هي حممة .
وكان من العرب من يتعلق على الملائكة، يريدون شفاعتهم، وهم بنو ملح، وكان منهم من يدعو الجن؛ وكانت النصارى تدعوا عيسى وأمه؛ وكان الناس من يدعو أناساً صالحين، غير ما ذكرنا؛ وهو أول أنواع الشرك وقوعاً في الأرض، كما تقدم، وامتلأت أرض العرب وغيرها من الأوثان والشرك بالله؛ وكان لكل قوم: شيء يقصدونه، غير ما كان عند الآخرين.
فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوحيد، قالوا: (أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب) (ص: 5)، ولما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وجد حول البيت ثلاثمائة وستين صنماً، وجعل يطعن في وجوهها، ويقول: (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً).(الإسراء: 81)، وهي تساقط على رؤوسها، ثم أمر بها فأخرجت من المسجد وحرقت.
وقال بعض الصحابة في اللات:
لا تنصروا اللات إن الله مهلكها... وكيف ينصركم من ليس ينتصر
إن التي حرقت بالسد فاشتعلت... فلم تقاتل لدى أحجارها هدر