بسم الله الرحمن الرحيم
مفاتيح الفرج
الحمد لله بيدِه مفاتيحُ الفرَج ، والحمد لله عددَ مَا مَشَى فوق السماوات والأَرَضين ودَرَجَ ، شَرَع الشرائعَ وأحْكَم الأحكامَ ، وما جعل علينا في الدِّين من حَرَجٍ ، وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحده لا شريكَ له ، قامت على وحدانيته البراهينُ والحُجَج ، وأشهَد أنَّ نبيَّنا محمدًا عبد الله ورسوله ، هو المفَدَّى بالقلوب والمُهَج ، صلَّى الله وسلَّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ، ساروا على أقوم طريق وأعدَلِ مَنْهَجٍ ، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أمَّا بَعْدُ ؛ فإنَّ الإنْسَانَ مَغْمُورٌ في مكابدة المَشَاقِ ، ولا يخلُو من مقاسَاةِ الشدائدِ ، مِنْ وَقْتِ نَفْخِ الرُّوحِ إِلَى حِيْنِ نَزْعِهَا ؛ بَلْ وفِي البَرْزَخِ ، وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ .
خُلق الإنسانُ في هذه الشدائدِ والآلامِ يكابدُها ، وينوءُ بِهَا ، ويتفاعلُ معَهَا ، حتى تنتهيَ حياتهُ.
لا فرق في ذلك بين غنيٍّ وفقيرٍ ، ولا بين كبيرٍ وصغيرٍ ، ولابين حاكمٍ ومحكومٍ ، ولا بين صالحٍ وطالحٍ .
لا يوجد إنسانٌ في هذه الحياة إلا وهو مهمومٌ ومغمومٌ ، وفي شدائدَ ، وكربات ، وأحزانٍ ، وأشجانٍ ، وعناءٍ ، وبلاءٍ ، ومتاعبَ ، ومصاعبَ ، فالإنسان في كبدٍ ونكدٍ ، ونصبٍ وتعبٍ لا ينفكُّ عنه ؛ كالظرف في داخل المظروف ؛ فهو في مِحَنٍ حتى يصيرَ إلى عالم آخر تغاير أحوالُه أحوالَ هذا العالم الذي يعيش فيه . فالجميع مبتلىً في هذه الحياة ؛ فتلك سنةُ الله تعالى في خلْقِهِ ؛ قَالَ تَعَالَى : (لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ) ، وقال : (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) .
فلا يخلو أحدٌ من الابتلاءات ، ولا ينجو أحدٌ من الأمراض والأزمات ؛ قَالَ تَعَالَى : (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) ، وكَمَا قَالَ أَيْضًا : (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) . وكَمَا قَالَ أيْضًا : (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) .
فالابتلاءات تطهيرٌ وتنقيةٌ ، وتمحيصٌ وتصفيةٌ . ورفعةٌ ومنزلةٌ ، وكفارةٌ وتزكيةٌ .. ومضاعفة للحسنات ، وزيادة في الأجورِ والدرجات ، وتكفير للخطيئات ، وحطٌّ للسيئاتِ . (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) .
وما يمرُّ يومٌ فيه سرورٌ ، إلا وأعقبه يومٌ فيه أحزانٌ وثُبُورٌ ؛ قال الشاعر :
فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمًا لَنَا ... ويومٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرُّ
وَقَالَ تَعَالَى : ( وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ) [آل عمران : 140] .
فالدنيا لا تبقى على حالٍ ، ودوامُ الحَالِ من المحالِ ، وكما قَالَ تَعَالَى : (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) . يُعزُّ قومًا ، ويذلُّ قومًا ، ويَشْفِي مريضًا ، ويَفُك عانيًا ، ويُفَرِّجُ مكروبًا ، ويُجِيْبُ داعيًا ، ويُعْطِي سائلاً ، ويَغْفِر ذنبًا ، يُحيى حيًّا، ويُمِيْتَ ميتًا ، وَيَرْفَعُ قَوْمًا ، وَيَضَعُ آخَرِين .
والمؤمن الصادق إذا وقع في أزمةٍ أو شدَّةٍ ، إنّما يهرب إلى ربِّهِ وسيِّده ومولاه الذي بيده مفاتيح الفرج ؛ فيجد عنده الفرج والمخرج من كل ضائقة وشدَّة ، وفي سورة الأنبياء قصّ الله علينا أخبار كوكبة من أنبيائه وأوليائه ، وقعوا في أنواع من الشدائد والابتلاءات ؛ ففرّوا إليه سبحانه ، ولجأوا إليه ، فكشف ما أصابهم من ضرٍّ.
فنصيحتي لكلِّ مكروبٍ ومهمومٍ ومأزومٍ أن يهرَبَ إلَى اللهِ ، ويَفِرَّ إليْهِ بقَلْبِهِ وقالبهِ ، وسيجِدُ عنْدَهُ الفَرْجَ والمَخْرَجَ ؛ بَلْ سيجِدُ السعادة الحقيقية الأبدية .
إنَّ أقوى جندٍ يسَلِّطهُ اللهُ على مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقهِ هو ( الهَمُّ وضِيْقُ الصَّدرِ ) ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى : (فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ (125)) .
وهناك علاجاتٌ قويَّةٌ في الكتاب والسُّنَّةِ النَّبويةِ ؛ لتفريجِ الهُمُوم وكشفِ الكُرُباتِ والغمومِ ، التي تُحِيْطِ بالعبدِ ، إذا سَلَكَهَا المؤمنُ نَجَا وشُفي وعُوفِي بإذن الله ؛ فمِنْ ذَلِكَ :
1) الإيمانُ باللهِ ، والعملُ بموجبهِ ومُقْتَضَاهُ ؛ مِنْ تَقْوَى اللهِ ، وتطبيق شرعهِ ، والاستقامة على دينهِ ؛ قَالَ تَعَالَى : (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ (66)) .
وقال تعالى : (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا (16)) .
وقال تعالى : (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (96)) .
فيلزمُ الإيمانُ وحُسْنُ المُعْتَقِدِ : فالحياة لا تقوم إلا على أساس الاعتقاد الصحيح في الله وفي اليوم الآخر .
يا من ألوذُ بهِ فيما أؤمله وأستجيرُ بهِ مما أحاذرهُ
لا يجبرُ الناسُ عظْمًا أنتَ كاسرهُ ولا يهيضون عظمًا أنت جابرهُ
( قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ) .
يقولُ صَلَّى الله عليه وسلم : ( يَا فَاطِمَةُ ، أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ ؛ فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا ) . م / أبو هريرة . بل ويقول تَعَالَى لنبِيِّهِ صَلَّى الله عليه وسلم : (قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) .
يقول أحَدُ المتصوفة : " إنَّ الاستغاثة - عند الشدائد - بأكابر المقربين من أعظم مفاتيح الفرج " !!. وهذا مُنَافٍ للعقيدة الصحيحة التي أمَرَنَا الله بها وأمَرَنَا بِهَا نبيُّهُ صَلَّى الله عليه وسلم . ( عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا، فَقَالَ: «يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ») .
فالضرُّ والنفعُ بيدِ اللهِ وحْدهُ : (وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ) .
2) ومن أسبابِ الفَرَجِ : التَّقْوَى : وهي امتثالُ الأَمْرِ ، واجتنابُ النَّهي ؛ قَالَ تَعَالَى : (ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3) وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (4) ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (5)) .
ولستُ أرى السَّعادَةَ جَمْعَ مالٍ ولكنَّ التَّقيَّ هُوَ السَّعيْدُ
فالسَّعادةُ الحقيقيةُ ليست في جَمْعِ المَالِ ، وإنَّما في طاعة الكبير المتعال . فالله يعطي الدنيا من يحبُّ ومن لا يحبُّ ، ولا يعطي الإيمان إلاَّ لمن يحبُّ ؛ كما قال شيخ الإسلامِ . و ( إذا رأيت الله يعطي العبد من النعم وهو مقيمٌ على معاصيه ؛ فإنما هو استدراجٌ منه .. فلما نسوا ما ذكروا به .. ) . وقَالَ تعالى : ( ومن أعرضَ عَنْ ذِكْرِي ..) .
3) ومن أعظمِ أسْبَابِ تَفْرِيْجِ الكَرْبِ والهَمِّ والحياة الطَّيِّبة : العَمَلُ الصَّالحُ بأشكالهِ وألوانهِ الكثيرةِ والمتعدِّدةِ ؛ قَالَ تَعَالَى : (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (97)) .
وفي " الصَّحِيْحَيْنِ " عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " بَيْنَمَا ثَلاَثَةُ نَفَرٍ يَمْشُونَ ، أَخَذَهُمُ المَطَرُ، فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ، فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ، فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً لِلَّهِ، فَادْعُوا اللَّهَ بِهَا لَعَلَّهُ يُفَرِّجُهَا عَنْكُمْ .. فَفَرَجَ اللَّهُ عَنْهُمْ " . قَالَ الحَافِظُ : " وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : خَالِصَةً ادْعُوا اللَّهَ بِهَا ، وَمِنْ طَرِيقِهِ فِي الْبُيُوعِ : ادْعُوا اللَّهَ بِأَفْضَلِ عَمَلٍ عَمِلْتُمُوهُ ، وَفِي رِوَايَةِ سَالِمٍ : إِنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ ".
4) الصَّبرُ وحسنُ الظنِّ باللهِ ومعرفةُ جزاءِ الصَّابريْن : قَالَ تَعَالَى : (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)) ، وقَالَ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) .
قال الشَّأفعيُّ
وَلَرُبَّ نَازِلَة يَضِيقُ لَهَا الْفَتَى ذرعاً، وعند الله منها المخرجُ
ضاقت فلمَّا استحكمت حلقاتها فُرِجَتْ ، وكنتُ أظنُّها لا تفرجُ
(حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110)) .
وفي " الصَّحِيْحَيْنِ " عن عَطَاء بْن أَبِي رَبَاحٍ ، قَالَ : قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ : أَلاَ أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ ؟ قُلْتُ : بَلَى ، قَالَ : هَذِهِ المَرْأَةُ السَّوْدَاءُ ، أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَقَالَتْ : إِنِّي أُصْرَعُ ، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ ؛ فَادْعُ اللَّهَ لِي ، قَالَ : « إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ » ؛ فَقَالَتْ : أَصْبِرُ ، فَقَالَتْ : إِنِّي أَتَكَشَّفُ ، فَادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ لاَ أَتَكَشَّفَ ، فَدَعَا لَهَا . حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا مَخْلَدٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ : « أَنَّهُ رَأَى أُمَّ زُفَرَ تِلْكَ امْرَأَةً طَوِيلَةً سَوْدَاءَ، عَلَى سِتْرِ الكَعْبَةِ » .
وفي " صحيح " البخاري عن أَبي هُرَيْرَةَ ، يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ » . (يصِبْ منه) يبتلِهِ بالمصائب ؛ ليطهره من الذنوب في الدنيا ؛ فيلقى الله تعالى نقيًّا .
وفي " الصَّحِيْحَيْنِ " عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : « مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ ، مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ ، وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حُزْنٍ ، وَلاَ أَذًى وَلاَ غَمٍّ ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا ، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ » . والوَصَبُ : الوجَعُ اللَّازمُ .
وفي " صحيح " مُسْلِمٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ : " مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ ، فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللهُ : { إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ } [البقرة: 156] ، اللهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي ، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا ، إِلَّا أَخْلَفَ اللهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا "، قَالَتْ : فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ ، قُلْتُ : أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ ؟ أَوَّلُ بَيْتٍ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ إِنِّي قُلْتُهَا ، فَأَخْلَفَ اللهُ لِي رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَتْ : أَرْسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ يَخْطُبُنِي لَهُ، فَقُلْتُ: إِنَّ لِي بِنْتًا وَأَنَا غَيُورٌ ؛ فَقَالَ : « أَمَّا ابْنَتُهَا فَنَدْعُو اللهَ أَنْ يُغْنِيَهَا عَنْهَا ، وَأَدْعُو اللهَ أَنْ يَذْهَبَ بِالْغَيْرَةِ » .
ودائمًا إذا أصَابَكَ شيءٌ ؛ فلا تنظر إلى ما أُخِذَ مِنْكَ ، ولكن انْظُر فِيْمَا بَقِيَ لَكَ ؛ فستَجِدُ الباقي أَكْثَرَ .
ومَنْ نَظَر إلَى مَصَائِبِ الآخِرِيْنَ هَانَتْ علَيْهِ مصيبتُهُ . وسترى مصيبتَكَ أقَلَّ مِنْ غيرك .
فعليك بالصَّبر وحُسْنِ الظِّنِّ باللهِ . خ و م : (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي) .
يَا صَاحِبَ الهَمِّ إنَّ الهَمَّ مُنْفَرِجٌ ... أَبْشِرْ بِخَيْرٍ فَإِنَّ الخَالِقَ اللهُ
وَإذَا بُلِيتَ فَثِقْ بِالله وَارْضَ بِهِ ... إِنَّ الَّذِي يَكْشِفُ البَلْوَى هُوَ اللهُ
اللهُ يُحْدِثُ بَعْدَ العُسْرِ مَيْسَرَةً ... لَا تَجْزَعَنَّ فَإِنَّ القَادِرَ اللهُ
وَالله مَا لَكَ غَيْر الله مِنْ أَحَدٍ ... فَحَسْبُكَ اللهُ فِي كلٍّ لَكَ اللهُ
(وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ) .
عسى تأخيرُك عن سفر : خير .
عسى حرمانُك من زواج : خير .
عسى طلاقُكِ من زوجكِ : خير .
عسى ردُّك عن وظيفة : خير .
عسى حرمانُك من طفلٍ : خير .
فلا تيأس ، وتذكر دائمًا : (وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ) .
5) الرِّضا بما قَسَمَ الله عزَّ وجلَّ ؛ روى مسلمٌ في " صحيحه " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ ؛ فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ - قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ - عَلَيْكُمْ » . أجدر : أحق ، وتزدروا : تحتقروا.
6) الشُّكر . قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7)).
7) الثقة بوعد الله ومَا أعَدَّه لأهل الإيمان ؛ فروى مسلمٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً ، ثُمَّ يُقَالُ : يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ ؟ فَيَقُولُ : لَا ، وَاللهِ يَا رَبِّ وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا ، مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ ؛ فَيُقَالُ لَهُ : يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ ؟ فَيَقُولُ : لَا ، وَاللهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ " .
فعَلَى العَبْدِ أنْ يَعْلَمَ حقيقة الدُّنْيَا ؛ فهي دارُ نَصَبٍ وتَعَبٍ وعَنَاء وشَقَاءٍ ، وفي "صحيح " مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الْكَافِرِ » .
التوكلُ على الله حق التوكل ؛ قال تعالى : (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) . و في سنن الترمذي عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا ". مع الأخذ بأسبابِ الرِّزقِ الشرعِيَّةِ ؛ فالحَرَامُ لا يُشبعُ وإِنْ كثُرَ ، والحَلالُ يَكْفِي وإنْ قلَّ ؛ فاللهم اكفِنَا بِحَلالِكَ عَنْ حَرَامِكَ ، وَأَغْنِنَا بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ . (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15)) .
9) الإكثارُ من العبادة ؛ ففي " سُنَنِ " الترمذي وابن ماجه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي : أَمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى ، وَأَسُدَّ فَقْرَكَ ، وَإِلَّا تَفْعَلْ : مَلَأْتُ يَدَيْكَ شُغْلًا ، وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ ". فَمَنِ انشَغلَ عنِ اللهِ والدارِ الآخرةِ خسِرَ خسرانًا مبينًا ؛ فعَنْ زيدِ بنِ ثابتٍ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قَالَ : " مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ، فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ ، وَمَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ نِيَّتَهُ ، جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهُ ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ " . حم وجه .
10) الصَّلاةُ وتعاهُدُ قيامِ الليل : فالصَّلاةُ روضة المشتاقين ، وأنسُ المحبين ، وراحة المؤمنين ، وسكينة الصادقين ؛ قال المروزيُّ في " تعظيم الصلاة " : " وَأَمَرَ اللَّهُ عِبَادَهُ أَنْ يَفْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ ، وَالِاسْتِعَانَةَ بِالصَّلَاةِ عَلَى كُلِّ أَمْرِهِمْ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاهُمْ وَآخِرَتِهِمْ، وَلَمْ يَخُصَّ بِالِاسْتَعَانَةِ بِهَا شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ ؛ فَقَالَ : { وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ } [البقرة : 45] ، وَإِنَّمَا بَدَأَ بِالصَّبْرِ قَبْلَهَا لِأَنَّ الْإِيمَانَ وَجَمِيعَ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ مِنَ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا لَا تَتِمُّ إِلَّا بِالصَّبْرِ ، ثُمَّ قَالَ : { وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة: 45] ، وَهُمُ الْمُنْكَسِرَةُ قُلُوبُهُمْ إِجْلَالًا لِلَّهِ، وَرَهْبَةً مِنْهُ، فَشَهِدَ لِمَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَهَا لَهُ، إِنَّهُ مِنَ الْخَاشِعِينَ، وَكَيْفَ لَا يَفْزَعُ الْمُؤْمِنُونَ إِلَى الصَّلَاةِ وَهِيَ عِمَادُ دِينِهِمْ " .
وكان النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا حَزَبَهُ أمرٌ فزعَ إلى الصلاة . وكان يقولُ : " أرحنا بالصلاة يا بلال " .
(وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132)) .
(رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)) .
11) التوبةُ وكثرةُ الاستغفارُ : فمَنْ رَأَى أنَّهُ لا ينشرح صدْرُهُ ، ولا يحصل له حلاوةُ الإيمان ، ونورُ الهداية ؛ فليكثر التوبة والاستغفار . قاله ابن تيمية .
وقال شيخ ا?سلام : أخبر الله سبحانه أنه لا يعذِّبُ مستغفرًا ؛ لأن الاستغفار يمحو الذنب الذي هو سبب العذاب ؛ فيندفع العذاب . اهـ . فالاستغفارُ يفرِّجُ الهمومَ .
قال تعالى : (الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) . يونس .
وقال تعالى : (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ (52)) . هود .
وقال تعالى : (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا (12) مَّا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13)) .
وفي الخبر عند د و جه : (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ، جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ») . لكنه بهذا السياق لا يصحُّ عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
12) تعاهُدُ العبدِ بالصَّدقةِ ؛ قَالَ تَعَالَى : (فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) ) . وفي " الصحيحين " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ، إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا : اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ : اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا " .
13) الإكثارُ من الصَّلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فَعَنِ الطُّفَيْلِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ذَهَبَ رُبْعُ اللَّيْلِ, قَامَ ؛ فَقَالَ : " أَيُّهَا النَّاسُ، اذْكُرُوا اللَّهَ، اذْكُرُوا اللَّهَ، جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ". قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ ؛ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي ؟ قَالَ : "مَا شِئْتَ". قَالَ : الرُّبُعَ ؟ قال : "ما شِئْتَ, وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ". قَالَ : النِّصْفَ ؟ قَالَ : "مَا شِئْتَ, وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ" قَالَ : الثُّلُثَيْنِ ؟ قَالَ : "مَا شِئْتَ، وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ". قَالَ : أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا ؟ قَالَ : " إِذًا يُكْفَى هَمُّكَ , ويُغْفَرُ ذَنْبُكَ ". رواه أحمَدُ مختصرًا ، والترمذيُّ في " جامعهِ " ، وفيه ابنُ عقيلٍ ، وله شاهدٌ يحسنُ بهِ .
14) التعاونُ مع الآخرين ومساعدةُ المُحْتَاجِيْنَ مِنْهُمْ ؛ روى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا ، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا ، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا ، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ ".
15) ومن أعظمِ أسبابِ تفريجِ الكربِ : الذِّكْرُ :
والذِّكر فيه حياةٌ للقلوب كما .. يحيي البلادَ إذا ماتت المطَرُ
ذكرُ الله فيه حياة القلوب ، والقربُ من علام الغيوب
ذكرُ اللهِ فيه كشفُ الهمومِ ، وتفريجُ الكروبِ
(الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (29)) .
و ( مثلُ الذي يذكرُ ربَّهُ ، والذي لا يذكرُ ربَّهُ كمثلِ الحيِّ والميِّتِ ) .
فأَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ اللهِ ، والهَجُوا بـــ : ( لا حول ولا قوَّة إلا بالله ) ، وأَلِظُّوا بــ : ( يا ذا الجلالِ والإكرامِ ) ،وقُولُوا : ( يا حيُّ يا قيوم برحمتك أستغيثُ ) .
فما ذُكِرَ اللهُ تَعَالَى في عُسْرٍ إلا يَسَّرهُ ، ولا كُرْبَةٍ إلا فرَّجها ، ولا مَخَافةٍ إلا أمَّنَهَا ، ( مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ) .
وكان كثيرٌ من الأئمة إذا تعَسَّرت عليه الأمورُ ، أو أُشْكِلَتْ عَلَيْهِ المَسَائِلُ يُكْثِرُ الدُّعَاءَ والذِّكْرَ والاستغفارَ إلَى مَنْ هُوَ عَلَى كُلِّ شيءٍ قَدِيْرٌ ؛ فَمَا هُوَ إلَّا وَقْتٌ يَسِيْرٌ ؛ فينْحَلُّ الإشكالُ ، وتزول المُلِمَّةُ ، ويَنْقَشِعُ الهَمُّ .
يا مَنْ تَشْعُرُ بِقِلَّةِ المُعِيْنِ ؛ الزمِ الذكرَ ؛ فقد روى البخاريُّ ومُسْلِمٌ عَنِ الحَكَمِ ، سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيٌّ ، أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلاَمُ، شَكَتْ مَا تَلْقَى مِنْ أَثَرِ الرَّحَا، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْيٌ، فَانْطَلَقَتْ فَلَمْ تَجِدْهُ، فَوَجَدَتْ عَائِشَةَ فَأَخْبَرَتْهَا، فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ بِمَجِيءِ فَاطِمَةَ، فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْنَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا، فَذَهَبْتُ لِأَقُومَ، فَقَالَ: «عَلَى مَكَانِكُمَا». فَقَعَدَ بَيْنَنَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِي، وَقَالَ : «أَلاَ أُعَلِّمُكُمَا خَيْرًا مِمَّا سَأَلْتُمَانِي، إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا تُكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلاَثِينَ، وَتُسَبِّحَا ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ، وَتَحْمَدَا ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ » .
يا من تشْعُرُ بِالضِّيْقِ فِي صَدْرِكَ ؛ أَكْثِرْ مِنْ التَّسْبِيْحِ ؛ قَالَ تَعَالَى : (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99) ).
16) الدُّعَاءُ : (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ (62)) . (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) .
وفي " صَحِيْحِ " البُخَاريِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لِأَبِي طَلْحَةَ : « التَمِسْ غُلاَمًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي حَتَّى أَخْرُجَ إِلَى خَيْبَرَ » ؛ فَخَرَجَ بِي أَبُو طَلْحَةَ مُرْدِفِي، وَأَنَا غُلاَمٌ رَاهَقْتُ الحُلُمَ، فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِذَا نَزَلَ ؛ فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ كَثِيرًا يَقُولُ : « اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَنِ، وَالعَجْزِ وَالكَسَلِ، وَالبُخْلِ وَالجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ » .
وفي رواية للشيخين عن أنسٍ : قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ : «اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ، وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ، وَالْهَرَمِ، وَالْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ» .
[ (مردفي) مركبي خلفه. (راهقت الحلم) قاربت البلوغ. (الهم والحزن) يتقاربان في المعنى إلا أن الحزن إنما يكون على أمر قد وقع ، والهم من أمر متوقعٍ . (ضلع الدين) ثقله . (غلبة الرجال) أن يُغْلَبَ عَلَى أمرهِ ، ولا يجد له ناصرًا من الرجال ؛ بل يغلبون عليه] .
يا من تخاف عدوًّا : الجأ إلى الله . وقلْ : حسبنا الله ونعم الوكيل . (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)) .
وروى البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ، «قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» حِينَ قَالُوا: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا، وَقَالُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ} [آل عمران: 173]
يا من تخاف مَكْرَ إنسانٍ وغَدْرَهُ ؛ الجَأْ إِلَى اللهِ ، وقُلْ : وأفوِّض أَمْرِي إِلَى الله ؛ (فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45)) .
يا من تكاثرت عليه الهُمُومُ : لا تيأَسْ ، وأَبْشِرْ بالفَرَجِ القَرِيْبِ . (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6)) .
وفي " مُسْنَدِ " أحْمَدَ بإسنادٍ حَسَّنَهُ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ عَنْ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ ، فَقَالَ : اللهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إِلَّا أَذْهَبَ اللهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَحًا " ، قَالَ : فَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللهِ ، أَلَا نَتَعَلَّمُهَا ؟ فَقَالَ : " بَلَى ، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا " .
يا من أحاط به الغمُّ : لا تقلق ، وفي " سُنَنِ " الترمذي عَنْ سَعْدٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ : لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ ".
(وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)) .
يا من نزل به ضرٌّ ؛ لا تيأس ؛ قَالَ تَعَالَى : (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84)) .
فيا من نزل بك الكرْبُ ، وحلَّ بك الهمُّ : اهْرَعْ إلى ربِّكَ ، وتناول ( دعاء الكربِ ) بصدقٍ ، فدونك هذا الحديث العظيم لنبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ كما في " الصحيحين " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ : « لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ » . قال الطبريُّ : كان السلف يدعون به ، ويسَمُّونه : ( دعاء الكرب ) .
اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا, ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين , إلهنا من لنا سواك نلتجئ إليه , من لنا غيرك نستغيث به , من رب غيرك نطرق أبوابه , لا إلَهَ إلاَّ الله عَدد ما مَشى على السَّمَوَاتِ والأرَضِيْنَ ودَرَج ، والحَمْدُ لله الَّذِي بِيَدِهِ مَفَاتِيْحُ الفَرَج، يا فرَجَنَا إذا انْقَطَعَتِ الأسْبَاب، ويا رجَاءَنَا إذا أُغْلِقَتِ الأبْوَاب. يَا مَنْ يَجُودُ وَيَسْمَحْ، وَيُعْطِى وَيَمْنَحْ وَيَعْفُو وَيَصْفَحْ , لا إله إلا أنت سبحانك ولا ربَّ لنا سواك. اللهم انشُرْ رحمَتَكَ عَلَى العِبَادِ يَا مَنْ لَهُ الدُّنيا والآخرة وإليه المآب , تُبْنَا إليك، رجعنا إليك , اللهم اقبَلْ معْذِرَتَنَا , اللهم اقبل توبتنا , اللهم محِّصْ ذنوبنا, اللهم اسْلُلْ سخائم صدورنا ، اللهم اجعلنا هداة مهتدين , غير ضالين ولا مضلين , ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللَّهُمَّ لَا فَرَجَ إلَّا فَرْجُك ؛ فَفَرِّجْ عَنَّا كُلَّ شِدَّةٍ وَكُرْبَةٍ يَا مَنْ بِيَدِهِ مَفَاتِيحُ الْفَرَجِ ، وَاكْفِنَا شَرَّ مَنْ يُرِيدُ ضُرَّنَا مِنْ إنْسٍ وَجِنٍّ وَادْفَعْهُ عَنَّا بِيَدِك الْقَوِيَّةِ بِإِذْنِك وَقُدْرَتِك ؛ إنَّك عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . اللهم من نام على ضيق ؛ فأيقظه على فرج ، ومن نام على حزنٍ ؛ فأيقظه على فرح ، ومن نام على عُسْر ؛ فأيقظه على يسرٍ .

لأبي عبد الله محمد بن العفيفي غفر الله له
.................................................. ...

رابط التحميل ملف pdf:
______
http://www.mrkzgulf.com/do.php?id=133876