الرجوع إلى العلماء في النوازل

لا يخفى على كل مسلم مكانة أهل العلم وأئمة الدين ورفعة شأنهم وعلو منزلتهم وسمو قدرهم ، فهم في الخير قادة وأئمة تقتصُّ آثارهم ويقتدى بأفعالهم ، وينتهى إلى رأيهم ، فهم مصابيح الدجى ومنارات خير وأئمة هدى ، بلغ بهم علمهم منازل الأخيار ودرجات المتقين الأبرار ، قد سمت بالعلم منزلتهم وعلت مكانتهم وعظم شأنهم وقدرهم ، كما قال تعالى : {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } [الزمر : 9] ، وقال تعالى : {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ } [المجادلة : 11] .

ومن فضلهم أن الملائكة تضع أجنحتها خُضعاناً لقولهم ، ويستغفر لهم كل رطب ويابس حتى الحيتانُ في الماء ، وهم ورثة الأنبياء فإن الأنبياء لم يورِّثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورَّثوا العلم ، والوارث قائم مقام المورث فله حكمه فيما قام مقامه فيه .

ففي حديث أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ((مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ وَإِنَّهُ لَيَسْتَغْفِرُ لِلْعَالِمِ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ لَمْ يَرِثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَإِنَّمَا وَرِثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ )) [1] فالعلماء ورثوا ما جاء به الأنبياء من العلم ، فهم خلفوا الأنبياء في أممهم بالدعوة إلى الله وإلى طاعته والنهي عن المعاصي والذود عن دين الله ، وهم في مقام الرسل بين الله وبين خلقه بالنصح والبيان والدلالة والإرشاد وإقامة الحجة وإزالة المعذرة وإبانة السبيل 0

قال محمد بن المنكدر : " إن العالم بين الله وبين خلقه ، فلينظر كيف يدخل عليهم " . وقال سفيان بن عيينة : "أعظم الناس منزلةً من كان بين الله وبين خلقه : الأنبياء والعلماء " . وقال سهل بن عبد الله : " من أراد أن ينظر إلى مجالس الأنبياء فلينظر إلى مجالس العلماء ، يجيء الرجل فيقول : يا فلان ما تقول في رجل حلف على امرأته كذا وكذا ؟ فيقول : طلقت امرأته ، ويجيء آخر فيقول : ما تقول في رجل حلف على امرأته بكذا وكذا ؟ فيقول : يحنثُ بهذا القول ، وليس هذا إلا لنبي أو عالم فاعرفوا لهم ذلك " . وقال ميمون بن مهران : " إن مثل العالم في البلد كمثل عين عذبة في البلد " .

وإذا كان أهل العلم بهذه المنزلة العلية والدرجة الرفيعة ، فإنَّ الواجب على من سواهم أن يحفظ لهم قدرهم ويعرف لهم مكانتهم وينزلهم منازلهم . عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا ، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا ، وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ)) [2].

وإن من حق العلماء ألا يفتات عليهم فيما هم أهله والجديرون به ، ألا وهو بيان دين الله وتقرير الأحكام ونحو ذلك بالتقدم عليهم أو التقليل من شأنهم أو التعسف في تغليطهم أو صرف الناس عنهم ، أو غير ذلك مما هو سبيل الجاهلين ممن لا يعرفون قدر العلماء ومكانتهم .

ومن المعلوم لدى كل الناس أن التعويل في كل فنٍّ لا يكون إلا على أهل الاختصاص فيه ، فلا يرجع في الطبِّ إلى المهندسين ولا في الهندسة إلى الأطباء ، ولا يرجع في كل فن إلا إلى أهل الاختصاص فيه ، فكيف الشأن بعلم الشريعة ومعرفة الأحكام والفقه في النوازل ، كيف يرجع فيها إلى من ليس معروفاً بالتضلُّع في هذا العلم والرسوخ فيه ، ولا يرجع إلى العلماء الجهابذة والأئمة الراسخين أهل الفقه والدراية والفهم والاستنباط .

يقول الله عز وجل : {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء:83] والمراد بأولي الأمر في الآية : أي العلماء الراسخون الذين يحسنون استنباط الأحكام الشرعية من أدلة الكتاب والسنة ، لأن النصوص الصريحة لا تفي ببيان جميع المسائل الحادثة والأحكام النازلة ، ولا يحسن استنباط ذلك واستخراجه من النصوص إلا العلماء الراسخون .

قال أبو العالية في معنى {أُولِي الْأَمْرِ } في الآية : هم أهل العلم ، ألا ترى أنه يقول { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } . وعن قتادة { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ } يقول : إلى علمائهم ، { لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } : لَعَلِمه الذين يفحصون عنه ويهمهم ذلك . وعن ابن جريج : { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ } حتى يكون هو الذي يخبرهم ، { وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ} أولي الفقه في الدين والعقل 0

قال الحافظ ابن حجر في كتابه فتح الباري : " ونقل عن ابن التين عن الداودي أنه قال في قوله تعالى :{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ } [النحل : 44] قال : أنزل سبحانه وتعالى كثيراً من الأمور مجملاً ففسر نبيه ما احتيج إليه في وقته ، وما لم يقع في وقته وَكَلَ تفسيره إلى العلماء بقوله تعالى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } [النساء : 83] " .

وقال العلامة عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله في معنى الآية : " هذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق ، وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة والمصالح العامة ما يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين أو بالخوف الذي فيه مصيبة ؛ عليهم أن يتثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر ، بل يردونه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم ، أهل الرأي والعلم والنصح والعقل والرزانة ، الذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدها . فإن رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطا للمؤمنين وسروراً لهم وتحرزا من أعدائهم فعلوا ذلك ، وإن رأوا أنه ليس فيه مصلحة أو فيه مصلحة ولكن مضرته تزيد على مصلحته، لم يذيعوه ، ولهذا قال: { لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } أي: يستخرجونه بفكرهم وآرائهم السديدة وعلومهم الرشيدة.

وفي هذا دليل لقاعدة أدبية ؛ وهي أنه إذا حصل بحث في أمر من الأمور ينبغي أن يولَّى مَنْ هو أهل لذلك ويجعل إلى أهله، ولا يتقدم بين أيديهم ، فإنه أقرب إلى الصواب وأحرى للسلامة من الخطأ . وفيه النهي عن العجلة والتسرع لنشر الأمور من حين سماعها ، والأمر بالتأمل قبل الكلام والنظر فيه ؛ هل هو مصلحة فيُقْدِم عليه الإنسان ، أم لا فيحجم عنه " انتهى كلامه رحمه الله .

وبما تقدم يعلم أن أمر البت في النوازل والحوادث المستجدة وإيضاح حكم الشرع فيها ،ليس لأحد أن يخوض فيه إلا العلماء أهل البصيرة في الدين 0

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " والمنصب والولاية لا يجعل من ليس عالماً مجتهدًا عالماً مجتهدًا ، ولو كان الكلام في العلم والدين بالولايات والمنصب لكان الخليفة والسلطان أحق بالكلام في العلم والدين، وبأن يستفتيه الناس ويرجعوا إليه فيما أشكل عليهم في العلم والدين . فإذا كان الخليفة والسلطان لا يدَّعي ذلك لنفسه ، ولا يلزم الرعية حكمه في ذلك بقول دون قول إلا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فمن هو دون السلطان في الولاية أولى بأن لا يتعدى طوره ) ا.ه .

وإنا لنسأل الله جل وعلا أن يبارك لنا في علمائنا وأن ينفعنا بعلومهم ، وأن يجزيهم عنا خير الجزاء وأوفره إنه سميع مجيب .
المصدر:
http://al-badr.net/muqolat/2550

********

________________

[1] رواه أحمد (5/196) ، وأبو داود (3641) ، والترمذي (2682) ، وابن ماجه (223) ، والدارمي (342) ، وحسنه لغيره الألباني رحمه الله في (صحيح الترغيب ) (70) .

[2] رواه أحمد (5/323) ، وحسنه الألباني رحمه الله في (صحيح الترغيب) (101)