إن أي مشكلة تُعيقك في الطريق إلى الله سبحانه وتعالى يكمُن أصلها في عدم الرضا عن قضاء الله عزَّ وجلَّ وقدره ..

فلو بحثت بداخلك لوجدت ذرة حزن تجاه الله جلَّ وعلا، ولكنك لا تستطيع أن تُصرِّح بذلك .. وإلا لو كنت راضي تمام الرضا عن الله سبحانه وتعالى، لِما تجرأت على معصيته ومخالفة أمره ولِما ابتعدت عن سُنَّة حبيبه ..

يقول ابن القيم في (زاد المعاد) "فأكثر الخلق، بل كلهم إلا مَن شاء الله يظنون باللهِ غيرَ الحقِّ ظنَّ السَّوْءِ، فإن غالبَ بنى آدم يعتقد أنه مبخوسُ الحق، ناقصُ الحظ وأنه يستحق فوقَ ما أعطاهُ اللهُ، ولِسان حاله يقول: ظلمنى ربِّى، ومنعنى ما أستحقُه، ونفسُه تشهدُ عليه بذلك، وهو بلسانه يُنكره ولا يتجاسرُ على التصريح به، ومَن فتَّش نفسَه، وتغلغل فى معرفة دفائِنها وطواياها، رأى ذلك فيها كامِناً كُمونَ النار فى الزِّناد، فاقدح زنادَ مَن شئت يُنبئك شَرَارُه عما فى زِناده، ولو فتَّشت مَن فتشته، لرأيت عنده تعتُّباً على القدر وملامة له، واقتراحاً عليه خلاف ما جرى به، وأنه كان ينبغى أن يكون كذا وكذا، فمستقِلٌ ومستكثِر، وفَتِّشْ نفسَك هل أنت سالم مِن ذلك؟"

والمشكلة إننا لا نفهم الحكمة من إبتلاء الله سبحانه وتعالى لنا .. فالله عزَّ وجلَّ يبتلي العبد ليسمع أنينه ولكي يُفيقه من غفلته، ولكنك لا ترضى بهذا البلاء ولا تفهم الحكمة منه!


فإيـــــاك ثمَّ إيــــــــاك من التسخُّط ..

فكما إن الذي يرضى بقضاء الله يرضى الله تعالى عنه، فإن الذي يتسخَّط يكن جزاؤه سخط الله تعالى عليه .. عن أنس قال: قال رسول الله "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله عزَّ وجلَّ إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط" [رواه الترمذي وحسنه الألباني]

وليكن همَّك رضا الله عز وجلَّ ولا أحدٍ سواه .. يقول الرسول "من أرضى الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس، ومن أسخط الناس برضا الله كفاه الله مؤنة الناس" [صحيح الجامع (6010)]


فأهل الرضـــــا يتنعمون بجنة الدنيــــــا على حقيقتها ..

يقول ابن القيم "أن الرضا يُثمِّر سرور القلب بالمقدور في جميع الأمور، وطيب النفس وسكونها في كل حال، وطمأنينة القلب عند كل مفزع مهلع من أمور الدنيا، وبرد القناعة واغتباط العبد بقسمه من ربِّه، وفرحه بقيام مولاه عليه واستسلامه لمولاه في كل شيء ورضاه منه بما يجريه عليه وتسليمه له الأحكام والقضايا، واعتقاد حسن تدبيره وكمال حكمته، ويذهب عنه شكوى ربِّه إلى غيره وتبرمه بأقضيته .. " [مدارج السالكين (2،220)]

1) فالرضـــــا يُثمِّر السعادة والسرور .. قال رسول الله "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا" [رواه مسلم] .. وبالإيمان ينشرح صدرك وتستمتع بحياتك، ويكون شعارك {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58] .. ففضل الله ورحمته أعظم من كل حطام الدنيا الفاني الذي تسعى لجمعه.

2) ويوجِّب مغفرة الله تعالي .. قال رسول الله "من قال حين يسمع المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله رضيت بالله ربا وبمحمد رسولا وبالإسلام دينا، غفر له ذنبه" [رواه مسلم]

3) ويُثمِّر الغنى الحقيقي .. سأل موسى ربَّه عن ست خصال، منها أنه قال "أي عبادك أغنى؟، قال: الذي يرضى بما يؤتى" [السلسلة الصحيحة (3350)] .. فالغنى الحقيقي هو أن يُرضيك الله تعالى بما أوتيت مهما قل أو كثُر.

4) يوصلَّك لأعلى درجـــات الإيمـــــان .. قال أبو سليمان الداراني "الرضا عن الله عزَّ وجلَّ والرحمة للخلق درجة المرسلين" .. فبالرضا والرحمة تُنال رفقة النبي في الفردوس الأعلى.

5) مفتاح الحب الصادق لله تعالى .. فمن رضي عن الله ربًا، أحبَّه الله جلَّ وعلا .. وإذا أحبَّك، ستنتهي جميع مشاكلك في الحيـــاة .. يقول تعالى في الحديث القدسي "..فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه .." [صحيح البخاري]

قال عبد الواحد بن زيد "ما أحسب شيئًا من الأعمال يتقدم الصبر إلا الرضــــا، ولا أعلم درجة أرفع ولا أشرف من الرضا وهي رأس المحبة". [ الحلية (6/163) ]


يقول ابن القيم "فمزيد المحب الراضي: متصل بدوام هذه الحال له ، فهو في مزيد ولو فترت جوارحه، بل قد يكون مزيده في حال سكونه وفتوره أكثر من مزيد كثير من أهل النوافل، بما لا نسبة بينهما، ويبلغ ذلك بصاحبه إلى أن يكون مزيده في حال نومه أكثر من مزيد كثير من أهل القيام، وأكله أكثر من مزيد كثير من أهل الصيام والجوع .

فإن أنكرت هذا فتأمل مزيد نائم بالله وقيام غافل عن الله، فالله سبحانه إنما ينظر إلى القلوب والهمم والعزائم لا إلى صور الأعمال، وقيمة العبد : همته وإرادته، فمن لا يرضيه غير الله - ولو أعطي الدنيا بحذافيرها - له شأن ، ومن يرضيه أدنى حظ من حظوظها له شأن، وإن كانت أعمالهما في الصورة واحدة، وقد تكون أعمال الملتفت إلى الحظوظ أكثر وأشق، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم " [مدارج السالكين (2:228)]

فلأعمال القلوب شأنٌ عظيم يفوق أعمال الجوارح بكثير ..

فاسع في إصلاح قلبك وإرضـــاء ربِّك