" بين أسر القلب وأسر البدن "

إن أسر القلب أعظم من أسر البدن، واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن، وعبودية القلب هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب، فإن من استعبد قلبه لغير الله، ضره ذلك، ولو كان في الظاهر ملك الناس .

وقد قال صلى الله عليه وسلم : «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش، إن أعطي رضي، وإن منع سخط» (أخرجه البخاري) وما هي إلا عبودية القلب بتعلقه بحطام الدنيا .

يقول ابن تيمية بعد ذكره هذا الحديث : (فسماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الدرهم وعبد الدينار وعبد القطيفة وعبد الخميصة، وذكر ما فيه من دعاء وخبر، وهو قوله: (تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش) والنقش إخراج الشوكة من الرجل والمنقاش ما يخرج به الشوكة وهذه حال من إذا أصابه شر لم يخرج منه ولم يفلح؛ لكونه تعس وانتكس، فلا نال المطلوب ولا خلص من المكروه، وهذه حال من عبد المال، وقد وصف ذلك بأنه : (إذا أعطى رضي وإن منع سخط) كما قال تعالى : " وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ " فرضاهم لغير الله، وسخطهم لغير الله، وهكذا حال كل من كان متعلقًا برئاسة أو بصورة ونحو ذلك من أهواء نفسه، إن حصل له رضي وإن لم يحصل له سخط، فهذا عبد ما يهواه من ذلك، وهو رقيق له؛ إذ الرق والعبودية في الحقيقة هو رق القلب وعبوديته) (مجموع الفتاوى)  .

ويقول رحمه الله : (فالحرية حرية القلب، والعبودية عبودية القلب، كما أن الغنى غنى النفس ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : «ليس الغنى عن كثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس» (أخرجه البخاري ومسلم) .

وهذا لعمري إذا كان قد استعبد قلبه صورة مباحة، فأما من استعبد قلبه صورة محرمة: امرأة أو صبي، فهذا هو العذاب الذي لا يدان فيه، وهؤلاء من أعظم الناس عذابًا، وأقلهم ثوابًا، فإن العاشق لصورة إذا بقي قلبه متعلقًا بها، مستعبدًا لها، اجتمع له من أنواع الشر والفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد، ولو سلم من فعل الفاحشة الكبرى، فدوام تعلق القلب بها بلا فعل الفاحشة أشد ضررًا عليه ممن يفعل ذنبًا ثم يتوب منه ويزول أثره من قلبه (مجموع فتاوى ابن تيمية) .

ويقرر في موضع آخر أن (الزنا بالفرج أعظم من الإلمام بصغيرة، كنظرة وقبلة، وأما الإصرار على العشق ولوازمه من النظر ونحوه، فقد يكون أعظم من الزنا الواحد بشيء كثير) (قاعدة في المحبة لابن تيمية وانظر: نحوه في إغاثة اللهفان ، الجواب الكافي) .

ولما ذكر ابن القيم هذا المعنى علله بأن الإصرار على الصغيرة قد يساوي إثمه إثم الكبيرة أو يزيد عليها، وبأن تعبد القلب للمعشوق شرك، وفعل الفاحشة معصية، ومفسدة الشرك أعظم من مفسد المعصية، وبأن العشق يعز التخلص منه (انظر إغاثة اللهفان) .