منتدى الإصلاح
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مرحبا بكم في منتدى الإصلاح
الدال على الخير كفاعله
منتدى الإصلاح

أشقِ البدن بنعيم الروح، ولا تشقِ الروح بنعيم البدن فإن نعيم الروح وشقاؤها أعظم وأدوم، ونعيم البدن وشقاؤه أقصر وأهون.
 
الرئيسيةالرئيسية  التسجيلالتسجيل  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  المجموعاتالمجموعات  موقـع الأمــر الأول  موقع الشيخ ابن باز  صالح الفوزان  ابن عثيمين  مدونة أبو راشد  أحمد الحــازمي  سلطان العيد  عبد الحميد الجهني  ابن جبرين  عبد الرحمن البراك  عبد الله الغديــان  مدونة عـادل آل حمدان  محمد أمـان الجــامي  هـــاجس  الشيخ مقبل الوادعي  الشيخ أحمد النجمي  مدونة الخليفي  القرآن الكريم  دخولدخول  
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» مطوية (أُنَاسٌ صَالِحُونَ قَلِيلٌ فِي نَاسِ سَوْءٍ كَثِيرٍ)
اليوم في 9:57 am من طرف عزمي ابراهيم عزيز

» مطوية (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ)
أمس في 12:17 pm من طرف عزمي ابراهيم عزيز

» مطوية (إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ في الدُّنْيَا)
الخميس ديسمبر 08, 2016 6:07 pm من طرف عزمي ابراهيم عزيز

» مطوية (دعهم يعملوا)
الأربعاء ديسمبر 07, 2016 6:45 pm من طرف عزمي ابراهيم عزيز

» مطوية (ذَلِكَ رَبُّ العالمين)
الثلاثاء ديسمبر 06, 2016 8:01 pm من طرف عزمي ابراهيم عزيز

» مطوية (اللَّهَّم آتِنا في الدُّنياَ حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً)
الإثنين ديسمبر 05, 2016 3:21 pm من طرف عزمي ابراهيم عزيز

» مطوية (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ)
الأحد ديسمبر 04, 2016 7:41 pm من طرف عزمي ابراهيم عزيز

» مطوية (هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا)
السبت ديسمبر 03, 2016 11:43 am من طرف عزمي ابراهيم عزيز

» مطوية (إذا جاء خادم أحدكم بطعامه فليقعده معه)
الجمعة ديسمبر 02, 2016 9:33 am من طرف عزمي ابراهيم عزيز

المواضيع الأكثر شعبية
سلسله تأملات قرآنية د. عبدالله بن بلقاسم ...( متجددة)
إلى طالب علم خامد
كيف تحمي نفسك من الشياطين ؟
كيف يبارك لك في طعامك ؟
كيف تكون محبوباً ؟!
الإيثار لا الأثرة
كيف يطول عمرك بالصلاة ؟
الكتاب الرويبضة
من تُحف السلف
تدبر سورة يونس
أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
أبو لقمان
 
عزمي ابراهيم عزيز
 
امانى يسرى محمد
 
ماجد تيم
 
عبد السلام
 
أحمد القلي
 
عبد الرحمن
 
التبادل الاعلاني
قل هذه سبيلي

شاطر | 
 

 تفسير سورة الفاتحة ( 9 )

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أبو لقمان
المشرف العام
المشرف العام


عدد المساهمات : 588
تاريخ التسجيل : 01/03/2016

مُساهمةموضوع: تفسير سورة الفاتحة ( 9 )    الخميس سبتمبر 01, 2016 7:30 pm

والثاني والستون بعد المائة:

في حصر الابتهال إلى الله بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ إشعار بالتزام عبادة الله وطاعته، وتنفيذ حكمه إلى الموت، وتأكدهما عليه كلما ازدادت معرفته بربه وعظيم آلائه، وزاد يقينه بوعده ووعيده، فإن ضراعة المؤمن إلى الله بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ بعدما ما ذكرناه في القاعدة السادسة والخمسين بعد المائة من معرفته بالبداءة باسمه والثناء عليه، والاعتراف العام بربويته والرجوع إليه يوم الحساب.



هذه الضراعة بعد ذلك هي عهد يجدده مع ربه في هذه السورة المباركة، التي علمه إياها على حصر العبادة له وحده، متبرئاً من عبادة الهوى بأي صورة تنوعت، وبأي نحلة ظهرت، ملازماً لذلك طيلة حياته حتى يأتيه اليقين الذي هو الموت، وأن مسئوليته في إنفاذ هذا العهد من عبادة الله بكل ناحية من نواحي الحياة تزداد كلما ازدادت معلوماته من الروافد الدينية، التي فصلناها في القاعدة المذكورة وما بعدها، ويتحتم عليه الجهاد بجميع أنواعه ومتطلباته، درءاً لكل فتنة تصده عن ذلك، وزحفاً بعقيدته الروحية ليكون مرفوع الرأس.



وإنه لا يسقط عنه أي نوع من أنواع العبادة مع القدرة عليه مهما عمل أو بلغ من أنواع التصوف أو علم من المكاشفات المزعومة أبداً، وإن اليقين الوارد في قوله تعالى: ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾ [الحجر: 99] هو كما فسره النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح في قصة موت عثمان بن مظعون رضي الله عنه إذ قال: "أما عثمان فقد جاءه اليقين من ربه"[16] يعني: الموت، فلا ينفك العبد من عبودية الله إلا بالموت، ومن زعم أنه يصل بشيء من أنواع التصوف إلى مقام يسقط فيه التعبد فهو زنديق كافر مناقض لما رسمه الله لعبادة في هذه السورة، ومناقض لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين لم يسقطوا عن أنفسهم من عبادة الله، ولا مثقال ذرة، بل بلغ بهم الأمر إلى بذل نفوسهم ومهجهم في سبيل الله، لم يدَّعِ أحد منهم علماً باطنياً، ولم يزعموا أن العبد هو الرب؛ لأن فيه من نواة حقيقته التي يجهلها الرسل فيما يزعم ضُلاَّل الصوفية، فإن هذا تطاول على وحي الله، وأعظم افتراء على الله وانتقاض لرسله، وأي انتقاض لرسله أفظع من زعم هؤلاء أنهم أعلم منهم وأنهم يصلون إلى درجة يسقط عنهم فيها التكليف؟


هذا كفران بسورة الفاتحة وغيرها من الوحي وكفران بمنزله ومن أنزل عليه - والعياذ بالله- وهذا من عدم تحقيق الاستعاذة بالله عن صدق من الشيطان الرجيم، من جنس الشيطان المبتعد عن الله من الجن والإنس، وكما فصلنا ذلك في باب الاستعاذة.



ومن تدبر معاني هذه السورة الكريمة وأخواتها ومفسراتها من وحي الله المنزل على رسوله كتاباً وسنة، وهو صادق في استعاذته من جنس الشيطان، بابتعاده عنه ونفرته منه، استنار بأنوار التوجيه التي تهديه إلى الاستقامة على عبادة الله، والتزامها في كل ميدان من ميادين الحياة، حتى يموت على ذلك محتسباً، ولا يجعل لنفسه حرية الشهوة أو ترك العمل، دون برهان من الله بالرجوع إلى أمره وحكمه فيه، والله الموفق.



الثالث والستون بعد المائة:

تقديم العبادة على الاستعانة في هذه الآية الكريمة من باب تقديم الغايات على الوسائل، ذلك أن العبادة هي غاية العباد التي خلقوا لها، والاستعانة وسيلة إليها، والحكمة في ذلك التقديم هي أن المصلي وغيره من كل متلبس بالعبادة يقول: (إني شرعت في طاعتك تحقيقاً لعبادتك، فأستعين بك في إتمامها وإنجاحها على ما يرضيك) وحتى المجاهد، عليه ألا يغتر بقوة ساعده، أو قوة عتاده أو كثرة زملائه وأعوانه، بل يضرع إلى الله الذي جاهد في سبيله بهذه الآية ضراعة الصادق طالباً مدده الأعلى، الذي لا يغلبه شيء، ففي ذلك إزالة للزهو، وإفناء للحمق والكبرياء.



ثم إن العبادة لما كانت له - جل وعلا- وجب تقديمها، ولما كانت الاستعانة به سبحانه وتعالى ساغ تأخيرها، قال ابن القيم رحمه الله: "والعبودية محفوفة بإعانتين: إعانة قبلها على التزامها والقيام بها، وإعانة بعدها على عبودية أخرى، وهكذا أبداً حتى يقضي العبد نحبه". وقال الشيخ ابن تيمية: "تأملت أنفع الدعاء فإذا هو سؤال العون على مرضاته، ثم رأيته في الفاتحة في: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ فهذا الدعاء بهذه الآية من حظ أهل العبادة لله، والمعرفة به حقيقة، ولذا علمه النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ فقال:يا معاذ: "إني أحبك فلا تنس أن تقول دبر كل صلاة: اللَّهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك"[17].



الرابع والستون بعد المائة:

ضراعة عبد الله إليه بهذه الآية الكريمة مبتدئاً بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ وطالباً منه العون التام عليها بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ إشعار صريح منه بالتصميم على العمل، والعزم التام على إكماله والمثابرة عليه طيلة الحياة، فهو يطلب منه المعونة على أداء جميع ما تستوجبه عبادة الله في كافة الشئون والنواحي المتشعبة والمتجددة في الحياة، إذ لا يمكن أن يطلب الاستعانة قبل الشروع في أداء الواجب مع صدق النية والعزم على التصميم والثبات، فإن التصميم والثبات ومداومة الصدق والإخلاص يحتاج كل منها إلى معونة الله، ومدده الذي يستطيع به عبده على مجاهدة النفس، ودفع وساوس الشيطان الإبليسي ومجابهة ما تقذف به شياطين الإنس من وسائل الإغراء التي يجري في دفعها أعظم مكابدة لا يبلغ العبد الدرجة القصوى في الثبات عليها إلا بعون الله وتسديده.



فكان من اللائق تقديم الضراعة من العبد إلى الله بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ توسلاً منه إلى ربه بما يرضيه من العبادة، ثم يضرع إليه بطلب العون على الثبات عليها، والتكيف بها في كل شأن من شئونه، معترفاً بأنه لا معين له في الحقيقة سواه، وفي هذا تجريد التوحيد من الاستعانة بغيره، وتحقيق المتابعة لوحيه من كتابه وسنة رسوله، إذ من لم يحقق ذلك فليس عابداً لله، ومن سلك ما يخالف ذلك كان عابداً لهواه، ومتبوعه من دون الله.



الخامس والستون بعد المائة:

لما كان الارتقاء لا يحصل إلا بالإيمان بالله عن استيقان كامل، وحب وتعظيم له، لا يعلوه غيره، كان الحامد لله حمداً صحيحاً على نعمه وحسن تربيته للعاملين، وعظيم رحمته، وشمول ملكه وقهره، واختصاصه بالحكم بين الناس في الدار الآخرة، يتقدم إليه بهذه الضراعة العظيمة الحبيبة إليه - جل وعلا-: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ تلقياً منه لها بتعليمه إياه، عازماً على تصديق ما أقر به من ذلك بالعمل المرضي لله، من القيام بما أوجبه عليه في منصوص وحيه من كتاب وسنة.



وذلك لأن الإيمان به والشكر لنعمه لابد أن يتجسدا في صور عملية. إذ النطق الذي لم تصدقه الأعمال يعتبر كذباً ونفاقاً يستحق المقت، كما قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الصف: 3-2] وأيضاً فليس العمل مجرد حركات يأتي بها في حالة صورية تقليدية، بل لابد من إفراغ الإنسان روحه فيه، واستيقاظه لمقاصد الله وحكمه فيه؛حتى يؤديه على الوجه الصحيح بخشوع وإخبات وحسن نية، واستشعار عظيم لوعد الله على الإتيان به وحسن إتقانه، ولو عبد الله على ضد ذلك، ومن هنا يصدق العبد في ضراعته بهذا العهد لله، على القيام بعبادته كما يصدق في ضراعته بطلب الاستعانة منه على إكمالها وإتقانها وإخلاصها والمثابرة عليها والمصابرة فيها.



فهذه القواعد التي ذكرنا غالبها-وسنذكر ما تيسر منها- أقول:

بهذه القواعد فتح الله لأهل دينه القويم أبواب الأمل والعمل، لمن يبتغي الوصول إلى أسمى ما قدر له من كمال وجمال في الدنيا والآخرة، فإن دعائم الإرادة القوية ما ذكرناه وما سنذكره مما هو مرتكز على الطمع في رحمة الله، ونيل وعده والخوف منه، والابتعاد عن موجبات سخطه، وحلول وعيده، وبذلك يصل الإنسان إلى المستوى الإنساني الصحيح، الذي يرفعه عن الحيوانية بتاتاً، ويحقق إرادة الله فيه، لينخرط في سلك عباد الله الصالحين، وينال الحياة الطيبة بجميع معانيها في الدنيا، ويحظى برفقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين بمنازلهم العالية في الدار الآخرة.



أما بدون ذلك فنصيبه الشقاء بالأزمات المختلفة المتلاحقة في الدنيا، والخيبة الكاملة في الآخرة، قيل للحسن: إن قوماً يقولون: نحن نحب الله ويضيعون العمل، فقال: (هيهات هيهات، تلك أمانيهم يتأرجحون فيها، من رجا شيئاً طلبه، ومن خاف شيئاً هرب منه) وسيأتي - إن شاء الله- مزيد تفصيل عند قوله - تعالى - في سورة النساء: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ [النساء: 123].



السادس والستون بعد المائة:

الصادق في استعانته بالله، للتصميم والمثابرة على عبادته في كل ناحية، يسمو بنفسه عن الماديات، ويرتفع عن شهوات نفسه، ويستكبر عن ملذات الدنيا الحيوانية؛ لأنها من أكبر الصارفات له، أو المعوقات لسيره، فيقتصر منها على حاجة نفسه، بنية صالحة،دون أن يؤثر شيئاً منها على وظيفة الله، أو ينشغل بها شغلاً يقطعه عن مهماتها.



ويرى الصادق في عبادة الله أن الخير والسعادة في النزاهة والشرف مع الخالق أولاً ثم المخلوق ثانياً؛ لتتحقق له وعلى يديه جميع القيم الصالحة، ومن ثم يتجه اتجاهاً سليماً مستقيماً لخير نفسه، وجميع إخوته المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ولجميع طرق الخير والإصلاح عامة، وهذا السر في جعل شعب الإيمان بضعاً وستين أو بضعاً وسبعين شعبة على التفصيل، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، كما ورد بذلك الحديث المتفق على صحته عن المصطفى صلى الله عليه وسلم[18].



السابع والستون بعد المائة:

صدق الاستعانة بالله يورث طمأنينة القلب، وسكون النفس؛ لأن ذلك من آثار صدق الإيمان وقوته، وإذا اطمأن قلب الإنسان وسكنت نفسه؛ حصل له برد الراحة، وحلاوة اليقين، وسلم قلبه مما ينتاب قلب غيره من الخطرات الفاسدة، أو المفزعة أو المخذلة، فكان يستقبل الأهوال بشجاعة وثبات، لا يبالي بالخطوب إذا اعتدت، ولا يلويه شيطان الهوى والشهوات عن الإقدام على الأهوال، أو الثبات على الخطوب، لاستمداده العون من ربه الذي صدق معه في ضراعته باستعانته، فهو يرى نفسه موصولاً من الله بالمدد الروحي والمعنوي، ويؤمن بأن الله يفتح له كل مغلق، فلا يعتوره اليأس، أو يتسرب إليه الجزع، ولا يصيبه شيء من الضعف أو الحيرة؛ لأنه في كنف الله وعزته ونوره، فهو من أهل هذه الآية ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُم ﴾ [محمد: 11] ومن أهل هذه الآية: ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾ [البقرة: 257] فهو محفوف بنصرة الله وأنوار هدايته الروحية والمعنوية، التي لا يضل صاحبها ولا يغلب.



الثامن والستون بعد المائة:

الصادقون في ضراعتهم لله بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ يهبهم الله مزايا وخصائص تؤهلهم لإقامة الحق والنهوض بأعباء نصرته، وتحمل التضحيات الجسام في سبيل الله لأجله؛ لأن حسن نيتهم لله وصدق ضراعتهم له وقوة ثقتهم به تكسبهم الثبات عليه والاعتصام به والتقيد بأهدابه، فما شرفت النفس بمثل معرفتها للحق واعتصامها به؛ لأنه هو الذي يعلي قدرها ويرفع مجدها، كما وصف الله وحيه في الآية (44) من سورة الزخرف، والعاشرة من سورة الأنبياء. فالصادقون مع الله بهذه الضراعة يكون لهم من الشجاعة ما يحملهم على الجهر والإعلان بالحق دون خشية أحد مهما كان، وعلى القيام بنشره والاندفاع بنصرته وإسناد أهله، لشعورهم الكامل أنهم منتدبون من الله لتوزيعه والذب عنه، كما قال - تعالى- في حصر سمة الإخلاص: ﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾ [الأحزاب: 39] فالجهر بالحق من أعظم صفات الكمال؛ لأنه لا يجول الباطل إلا عند غفلة أهل الحق عنه، فإذا قام به أبطال، يصدعون به ويتحمسون لله في نشره زهق الباطل وانصعق أهله، واختفوا كما يختفي الخفاش من ضوء الشمس.



وقد أجرى الله سنته الكونية أن الحق لا يقوم وحده، وإنما يقوم بالأبطال المخلصين قومتهم في دينهم لله، وجعل الجهر بالحق واجباً عظيماً من واجبات الدين، وجعل أفضل الشهادة كلمة حق عند سلطان جائر، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا هابت أمتي أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منهم"[19] ولا يمكن للأمة نهوض ولدين الحق نصر إلا بقيام من ينصره من المخلصين، ولا ينهض الحق ويبلغ ذروة المجد والنصر إلا إذا نهض به رجال كبار النفوس ممن صدقوا ما عاهدوا الله عليه بهذه الضراعة ممن ارتفعت شخصيتهم وكبرت نفوسهم بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ ولله در الشاعر القائل:
تبينت أن الحق إن لم تتح له
بواسل يخشى شرها عدََّ باطلُ
لعمرك لو أغنى عن الحق أنه
هو الحق ما قام النبي يقاتلُ
فلا تحسبن الحق ينهض وحده
إذا ملت عنه فهو لا شك مائلُ
أقمه وأسنده ودعم بناءه
وذد عنه ذود الليث والليث صائلُ
ولا تنصرن الحق بالقول وحده
فإن عماد الحق ما أنت فاعلُ
من العدل ألا يطلب الحق عاجز
فليس على وجه البسيطة عادلُ
ولكن قومي يشرب الدم سائغاً
إذا خضبت يوم الورود المناهلُ



وانظروا إلى موقف أبي الحنفاء إبراهيم عليه السلام من قومه ومقارعتهم بالحجج، ومناصبتهم العداء مع خذلان أقرب قريب له، وهو أبوه، وكيف تحداهم بقوله: ﴿ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ ﴾ [الأنعام: 80] وكذلك موسى عليه السلام الذي خرج من مصر خائفاً يترقب هارباً من فرعون، ثم يأتي إلى فرعون بعد عشر سنين مستهيناً بقوته، غير مبالٍ ببطشه وجنوده، داعياً له إلى الحق الذي ندبه الله إليه، ثابتاً أمامه، متحدياً له، صامداً لموعده، كل هذا ثقة بربه واستمساكاً بما أوحى إليه منه وثباتاً عليه، وقال تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ ﴾ [الأنعام:90].



الإخلاص في العبادة و الاستعانة:

التاسع والستون بعد المائة:

بتحقيق عبادة الله وصدق التوجه إليه بإخلاص وثبات يحصل تقويم الأخلاق ورفع مستواها، وذلك أن الانشغال بالعبادة وصرف جميع الأحاسيس لها ناشئ من طهارة القلب وسلامته مما سوى الله، فيتخلص من الأمراض المفسدة له والمشقية لجميع جوارح صاحبه، لأنه ملك الأعضاء المسير لها، فانشغاله التام بالعبودية الصحيحة يقيه من أمراضه الموجبة لفساد الأخلاق من الهلع والجزع والشح والمنع والحرص واللدد في الخصومة والجهل، والغرور والظلم والبغي، والجدل والمراء، والطيش والسفه المبدد لجميع الطاقات، والعجب والخيلاء والشك والأشر والبطر والريبة، والغفلة والجمود، والكبر والفجور، والادعاء الكاذب والعناد، والتمرد والطغيان من جهة، والضعف واليأس والخور من جهة أخرى، والافتتان بالدنيا، وحب المال والشهرة، والمكر والتشفي والحقد والغضب، والحسد والهمز واللمز، والانهماك في الشهوات وغير ذلك، فإن الضمير منشأ الفعل ومصدره؛ فإن كان صالحاً بمراقبة الله ومحبته وخشيته كانت الأعمال صالحة والأخلاق حسنة؛ لانتفاء هذه الأوصاف والسجايا المذمومة، وإن كان الضمير فاسداً لحلول غير الله فيه من أنواع الأنانية، وحب الذات، فسدت الأعمال والأخلاق؛ لأن الأقوال والأعمال معبرة عما في الضمير.



وسلوك الإنسان تبع لتصوره حسبما في قلبه من قوة حب الله ورسوله وتعظيمهما، ومن ضعف ذلك أو فقدانه بالكلية، فإن ما في الضمير غيب لا يعلمه إلا الله، ولكن الأقوال والأعمال التي يتحرك بها اللسان والجوارح مخبرة عما في الضمير، وشاهدة عليه، فبصدورها يكون الحكم عليه، كالحكم على الحاضر المشاهد المنظور بالعين، المسموع بالأذنين، وقد قرر علماء الأخلاق - عن الخلق- أنه: حال نفسية تصدر عنها الأفعال بسهولة، فإن كانت حسنة كان الخلق حسناً، وإن كانت سيئة فهو سيئ، فإذا زهد الإنسان في الجانب الروحي، أو جهل مقوماته ورغائبه؛ اندفع وراء شهواته المادية وأغراضه الشخصية، لقلة الوازع الروحي في الضمير فحصل منه جميع ما ذكرناه من مفاسد الأخلاق أو أضعافها، واندفع إلى أنواع من الشرور يتضرر بها الناس على حسب قوة اندفاعه ومبلغ نزوته فيها.



ومن هنا تكثر الجرائم ويستفحل الإثم والعدوان، وتكثر الضغائن، فتوقد نيران الحروب المهلكة والفاتكة، كما يجري في عالم الماديين، ولا تنجو الإنسانية من ذلك أو أكثره إلا بالعودة إلى الله، والصدق معه في تحقيق عبادته، والتزام حكمه فيما أنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم، وما جرى في الإسلام من قتال، فهو لتحقيق الحياة الطيبة، بتعزيز العقيدة لإعلاء كلمة الله، وحفظ النفوس من القتل الجماعي الذي تستعمله فئة ضد الفئة الأخرى في عالمنا المادي الحاضر، ولكنهم يتعامون عن عيوبهم.



السبعون بعد المائة:

الاتجاه الصادق من المؤمن إلى الله بهذه الضراعة ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ يقصر مهمته على غاية شريفة باتجاه واحد، يغرس في قلبه العفاف والطمأنينة، والترفع والابتعاد عن كل ما يخل بعبودية الله، وينجيه من الجشع والتطلع إلى ما عند غيره، فيسلم قلبه من أنواع التوجع على ما فاته من طمع أو شهوة، وينجو من أمراض القلق الذي ما زال يفتك بالماديين، الذين انسعرت أفئدتهم بجشع أطماعهم الشهوانية، وأغراضهم الأنانية، وتلهفهم على حصول المال والمكاثرة به.



والذين هم دائماً في سباق رهيب للحصول على أكبر نصيب من ذلك، فقواهم البدنية والنفسية منطلقة كالآلة الدائمة الدوران لهذه الغاية المستثيرة لأعصابهم، المقلقة لأفئدتهم، إقلاقاً يهلك بعضهم بأنواع أمراض القلب والصدر، ويدفع بالبعض الآخر إما إلى ارتكاب شتى الجرائم، أو إلى تسعير حروب مهلكة بسبب التكالب على هذه المطالب المادية والأغراض النفسية، بل يدفع بهم إلى كل من ذلك كما هو المشاهد، فهم يعيشون في وحشة وتنافر وشقاق وتسابق في التسلح، وتنافس ومهارة في أنواع المكر والجرائم.



أما توجيه الله لعباده المؤمنين المتقبلين لوحيه، الصادقين بضراعتهم إليه، فهو توجيه نزيه مريح، يبث السكينة في القلوب، ويستأصل منها جميع جراثيم الطمع المادي الصرف، والتوجع عليه، لانحصار قصده وغايته في خدمة عقيدته، والتوجه الصادق من الإنسان المؤمن إلى ربه، والاستئناس بوحيه والتلذذ به، والتشرف بتنفيذ وصاياه من حمل رسالته والذب عنها، والطموح الروحي إلى نيل وعده الكريم في الدنيا و الآخرة، وصدق التوكل عليه بالجد في العمل، والمثابرة بكل فرح وشغف واطمئنان، كما جرى من الرعيل الأول، ومن ذلك التوجيه ما رواه الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أصبح و الآخرة أكبر همه؛ جمع الله له شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن أصبح والدنيا أكبر همه؛ جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه ضيعته، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له"[20]. وزاد في رواية البيهقي: "وما أقبل عبد بقلبه على الله عز وجل إلا جعل قلوب المؤمنين تفد إليه بالود والرحمة، وكان الله إليه بكل خير أسرع".[21].



وروى الحاكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من جعل الهم همَّاً واحداً كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبته الهموم لم يبال الله به في أي أودية الدنيا هلك".[22].



ولقد صدق مدلول هذه الأحاديث على الماديين، حتى من المنتسبين للإسلام، ممن لم يصدقوا بضراعتهم مع الله بـ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾. فتراهم في نهمة وجشع، وهلع وتحسر، وتطاحن وقلق مهلك، بحيث إن الإحصائيات الطبية قررت أن عدد الوفيات بأمراض القلب والصدور وحوادث الانتحار أكثر مما أهلكته الحروب الراهنة خلال عشرين سنة في الولايات المتحدة، التي تعتبر رمز الحرية والحضارة والتقدم المالي المشوب بالفقر الروحي والعياذ بالله.



والنصوص والأحاديث النبوية كثيرة في هذا المضمار الهادف للرضا والطمأنينة، وضبط عواطف البشر عن قصر النظر على المطالب المادية والكدح المجنون في معركة الحياة البهيمية الغارسة للأضغان، المثيرة للعداوة، المحرقة للصدقات والفضائل.



ولا عبرة بسوء فهم بعض الناس لمعاني هذه الأحاديث، مما أفضى إلى إهمال بعضهم لها وإلى مغالاة بعضهم باستخدامها في إبطال أعمال الحياة، فهي لا تنص على ترك الأعمال وعيشة الدروشة، وإنما تنهى عن إيثار الدنيا وقصر النظر على المادة، ونسيان واجب الله من حياة العبد والتعلق بغيره، وتعطيل العمل لدينه زاهداً فيه، ورغبة في غيره من المسالك المادية بأي مذهب وأي مبدأ ينشغل به الإنسان عن عبودية الله، فيكون عبداً للهوى والشهوات، عبداً للدينار والدرهم والمتاع، منصرفاً بقلبه وحركاته إلى ذلك دون الله.



فهذه معانيها السامية النافعة المطهرة الشافية للمخلصين المتبعين، الذين لا يحبون الحياة إلا من أجل الله،والعمل في مرضاته، وإعلاء كلمته،ويقصدون بجميع أعمالهم وحركاتهم هذا الهدف المحقق لجميع أنواع الفوز والسعادة في الدارين، والجالب لمدد الله في الحياة، والذين تمنحهم عبودية الله هذه المميزات، وتنعدم فيهم أسباب القلق، يسلم تفكيرهم من تأثير العواطف، وتحفهم السكينة التامة عند النوازل والملمات، فلا يغيب شي من تفكيرهم أو نظرهم إلى الحقائق، ويتلقون الأحداث بدون انزعاج أو حيرة أو تروع يعمي عليهم سبل التفكير أو ينقصها أبدا، لأنهم بقوة ثقتهم بالله وحسن نيتهم معه، وإخلاصهم له،وتفانيهم في سبيله،ينظرون بنوره، فهو سمعهم الذي يسمعون به، وبصرهم الذي يبصرون به، وقوتهم التي يندفعون بها ويبطشون، كما ورد الحديث القدسي بذلك، ولا يبتلون بالأوهام والخواطر السيئة التي تصيب غيرهم، بل هم في مأمن من جميع عوامل الهزيمة والتفكك، شعارهم في جوانحهم وجوارحهم: ﴿ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [التوبة: 51].

[1] أخرجه مسلم في صحيحه (395) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[2] أخرجه مسلم في صحيحه برقم (2586) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه

[3] أخرجه البخاري(2442)، ومسلم (2564) من طريق أبي هريرة رضي الله عنه.

[4] أخرجه البخاري برقم (13) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

[5] أخرجه البخاري: (481)، ومسلم (2585) من حديث أبي بردة عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن للمؤمن.."الحديث.

[6] أخرجه أبو داود برقم: (4884)، وأحمد (4/30)، والبيهقي (8/167) وغيرهم من طرق عن الليث بن سعد عن يحيى بن سليم عن إسماعيل بن بشر عن جابر بن عبدالله وأبي طلحة بن سهل قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.. الحديث.

[7] أخرجه أبو داود في سننه (5121) من طريق محمد بن عبد الرحمن المكي، عن عبد الله بي أبي سليمان عن جبير بن مطعم مرفوعاً به.

[8] أخرجه البخاري (4905)، ومسلم (2584) كلاهما من حديث جابر رضي الله عنه.

[9] أخرجه النسائي في المجتبى (7/123)، وابن ماجه في سننه (3948) من طريق زياد ابن رباح عن أبي هريرة بنحوه.

وأخرجه النسائي أيضاً (7/123) من طريق جندب بن عبدالله رضي الله عنه.

وفي إسناده أبو مجلز وهو مدلس وقد عنعن، وأخرجه الطبراني في الأوسط (3946) من حديث أنس بن مالك وفي سنده قزعة بن سويد وهو ضعيف، وقد وثق كما قاله الهيثمي في مجمع الزوائد(6/286).

وفي الأوسط أيضاً برقم (3405) من حديث سعيد بن المسيب عن ابن عباس مرفوعاً بنحوه.

[10] أخرجه البخاري (2810)، ومسلم (1904) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه مرفوعاً بلفظ: "فهو سبيل الله" بدل: "فهو شهيد".

[11] أ خرجه البخاري في صحيحه (6882) من حديث ابن عباس رضي الله عنه بلفظ: "أبغض الناس". وقال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث: أنهم أبغض أهل المعاصي إلى الله فهو كقوله: " أكبر الكبائر" وإلا فالشرك أبغض إلى الله من جميع المعاصي. اهـ.

[12] أخرجه البخاري (1294)، مسلم (103) كلاهما من حديث مسروق عن عبدالله ابن مسعود مرفوعاً به.

[13] أخرجه النسائي في الكبرى ( 6 / 412 ) رقم ( 11349 ) من طريق أبي سلام عن الحارث الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

[14] أخرجه أحمد (5 /136 )، والنسائي في الكبرى (5/272)، والطبراني في الكبير (1/198) رقم (532)، وابن حبان في صحيحه (7/424) رقم (3153).

والضياء المقدسي في المختارة (3/435) كلهم من طرق عن أبي ابن كعب به.

[15] أخرجه مسلم في صحيحه (653) من حديث يزيد بن الأصم عن أبي هريرة رضي الله عنه.

= قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له فيصلي في بيته فرخص له، فلما ولى دعاه فقال: " هل تسمع النداء بالصلاة؟" فقال: نعم، قال: "فأجب".

[16] أخرجه البخاري في صحيحه (1243) من حديث أم العلاء رضي الله عنها.

[17] أخرجه أبو داود (1522)، والنسائي في الكبرى (6/32)، والحاكم في المستدرك (1/407) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

[18] أخرجه مسلم في صحيحه رقم (35) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[19] أخرجه أحمد (2/163)، والبيهقي في سننه (6/95)، والحاكم في المستدرك (4/108) من طرق عن محمد بن مسلم عن عبدالله بن عمرو به.

وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. اهـ. إلا أن البيهقي قال: محمد ابن مسلم هذا هو أبو الزبير ولم يسمع من عبدالله بن عمرو.اهـ. وانظر مسند البزار (6/363) رقم (2374).

[20] أخرجه الترمذي (2465) من طريق الربيع بن صبيح عن يزيد بن أبان عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً به.

وأخرجه أحمد (5/183)، وابن ماجه (4105)، والطبراني في الكبير (5/143) رقم (4891) من طريق أبان بن عثمان بن عفان عن زيد بن ثابت رضي الله عنه مرفوعاً به.

وأخرجه الطبراني في الكبير (11/266) برقم (11690) من طريق عكرمة عن ابن عباس، به بنحوه.

[21] أخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (4/182) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه.

[22] أخرجه الحاكم في المستدرك (2/481)، والبيهقي في الشعب (7/289) رقم (10340). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al-islah.3oloum.com
أبو لقمان
المشرف العام
المشرف العام


عدد المساهمات : 588
تاريخ التسجيل : 01/03/2016

مُساهمةموضوع: رد: تفسير سورة الفاتحة ( 9 )    الخميس سبتمبر 01, 2016 7:32 pm


الاستعانة بالله وحده:

وما مصيبة المسلمين أخيراً إلا عدم الصدق الكامل بتحقيق الضراعة مع الله بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾، وقصر الاعتماد على ولائه ونصرته - جل وعلا-، وهو القائل: ﴿ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾ [الأنفال: 40] لم يقل مولاكم الدولة الفلانية أو الفئة الفلانية، ولا نصرتكم عند هذه أو تلك، وقد قدمت فيما مضى أن هذه الآية كما تحفز أصحابها الصادقين إلى القوة المعنوية، فإنها تحفزهم إلى القوة المادية من تسخير جميع ما وهب الله لهم على وجه الأرض، أو في جوفها أو أجوائها من كل مادة؛ للاستعداد بجميع متطلبات القوة، بحيث يكونون أغنى من غيرهم، كما أشرت سابقاً إلى قوة الإيمان، التي قهر بها أسلافهم كل قوة مادية، وأن التفوق الصحيح لا يحصل إلا بها، بل قد يستحيل التفوق المادي على من هم أكثر عدداً وعدة، وأغزر علماً بالماديات، ولكن السبق الذي لا يغلبه غالب هو السبق الروحي بتحقيق مدلول هذه الآية.



السادس والخمسون بعد المائة:

بصدق الضراعة إلى الله بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ يحصل الانتعاش النفسي في هزيمة الأعداء، والتغلب على الأزمات والصعاب، والاستطالة على العوائق، والانتصار في أغلب المعارك، للاستهانة بما يلاقيه الصادق الضارع بها من الشدائد و الأهوال والمتاعب، لارتفاع قوته المعنوية وصفاء روحه، لما تضمنت من الروافد الروحية العظيمة؛ لأن فيها توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، والتوحيد العلمي الاعتقادي، ولأن المسلم المؤمن يضرع بها إلى الله غالباً بعد البسملة وبعد قراءة ثلاث آيات عظيمات، تتضمن تقديسه والثناء عليه، والتوسل بذكر عظيم أسمائه وصفاته، والاعتراف بحكمه وعدله، وتنزيهه عما لا يليق به، كما يقتضيه الحمد المطلق والاعتراف له بالنعمة الكاملة والفضل المتواصل، كما يقتضيه مسمى الرب المربي لخلقه على العموم.



والاستعانة به وحده هي تحقيق التوكل عليه والتفويض إليه واعتراف العبد بأن ناصيته بيده، وانحصار رجائه له - تبارك وتعالى -، وإسلام ناصيته له، والهروب إليه بهذه الضراعة عن رق ما سواه وتسلط ما سواه، والأنس بأنواره المعنوية عن ظلمات غيره بأنواعها، كما أن في هذه الضراعة العظيمة براءة العبد من حوله وقوته، بل من كل حول وقوة لسواه تعالى، وتفويضهما إليه، وجميع ما قلناه من بعض معانيها هو توسل إلى الله بكامل توحيده المرضي له والمحبب إليه، مما له أعظم التأثير في حصول ما ذكرناه للصادقين، كما حصل ذلك للسلف الصالح، الذين نصرهم الله بالريح وبجنود لم يروها، وأمدهم بالعزة والعلم والحكمة، ودفع عنهم بها آلام الكروب، ونجاهم من الهموم والأحزان، وجعلهم في بهجة روحية منقطعة النظير.



وكل من صدق هذه الضراعة بفعله وحسن قصده، حصل من الله على ما حصلوا، أما من كان نطقه بها وتكريره لها عادة تقليدية موروثة، كحال أكثر الناس اليوم فحظه منها على حسب تطفيفه مع الله، بعدم الغيرة لدينه، والغضب لحرماته، وعدم الدفع برسالته، والجهاد والإنفاق في سبيله، وعدم مساندة المسلمين وحبهم، وبغض الكافرين وحربهم، فمن هذه المواقف السلبية تترتب فوائد الآية، وثمرة نتائجها، وفي الأثر: (كما تدين تدان). أما بحصول ما ذكرناه من صدق المبتهل بها عملياً فإنه يتحفز للقيام بواجب الله، وحمل رسالته، وتنفيذ وصاياه، والعمل على إعلاء كلمته بالحكم بشريعته؛ فيشمخ إلى تحقيق الأمر وهو:

السابع والخمسون بعد المائة:

وهو الجهاد في سبيل الله على ضوء هذه العقيدة التي شرحنا كثيراً من مدلولها فيما مضى، فإن من تمام معرفة الله وقوة توحيده والصدق بالضراعة إليه ألا يترك صولة الباطل، فضلاً عن السماح له بالانتشار، بل يغضب لله ويصول على الباطل، قبل أن يصول عليه وينصب نفسه مهاجماً لا مدافعاً؛ لأنه متى ترك صائل الباطل أو استهان بانتشاره استفحل أمره، وعظم شره وخطره، والمدافع في الغالب لا خير فيه، ورجاء انتصاره قليل.



وعزة المؤمن أن يكون كالليث الصائل في نصرة عقيدته، والدفع بها إلى الأمام، لا أن يتميع فيغزى في عقر داره، أو يكون مهدداً فيشتد همه وغمه ويكون عرضة للعدو الخارجي والمنافق الداخلي، ولكن بصولته في الجهاد وإقدامه عليه يندحر العدو ويُقْمَع المنافق، وينكبت، فيتبدل همه وغمه فرحاً ونشاطاً وقوة، ولذا قال تعالى: ﴿ قَاتِلُوهُمْ ﴾ ولم يقل: دافعوا ﴿ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ﴾[التوبة: 15-14] فعدوك في العقيدة، كالجمل الحاقد، لا يذهب غيظه ويزيل حقده، إلا التأديب الرادع الذي يخرج ما في صدره، من الاستعلاء والرغبة في الانتقام بما يدمغه ويخيفه.



والجهاد وإن كان مكروهاً للنفوس، فعاقبته خير وعزة وبركة، ولا تكرهه نفوس العابدين لله حقاً، الضارعين إليه صدقاً، ومشروعيته لحفظ العقيدة، وسلامة نفوس أهلها من الفتنة عن الدين،التي هي أشد من القتل و أكبر جرماً، والعمل على إعلاء كلمة الله؛ ليدين الناس بحكمه ويستسلموا له، ولو لم يسلموا فإنه ليس للإكراه على الدين، فإن العقيدة أمرها باطني، وإنما هو لإخضاع الناس لحكم الله، وردعهم عن فتنة المسلمين بشتى الوسائل وأن يكون دين الله عالياً وكلمة الكفر سافلة بجميع أنواعها، لأنها افتراء على الله، وهو وإن كان فيه قتل حسي لبعض النفوس، فمصلحته راجحة لاستبقاء أكثرها وإحيائها، حياة معنوية طيبة كما وصفها الله - تعالى-.



فالصادق مع الله بتكرار هذه الضراعة بهذه الآية لا يخاف من صولة الباطل، ولا يستسلم له أبداً، بل يواصل كفاحه بشتى أنواع الجهاد ووسائله الممكنة، غير هياب ولا وجل، فلا يرهب الموت لسببين يقويان عزمه ويضبطان قوته وتفكيره، عن الانحلال والشتات، ويجعلانه يستأسد أمام أعدائه وخصومه في العقيدة الإسلامية وهما:

1- إيمانه القوي بأن طلب السلامة لا يؤخر من أجله أو يزيد في أيام عمره أو ساعتها، وإنما يكون سبباً لهلاكه الحسي أو المعنوي، كالبهيمة المسخرة المذللة بما اكتسبه من سوء مغبة الهزيمة والهوان.



2- إيمانه بحياة أخرى سعيدة بجوار الله ورضاه، فيكون مشتاقاً إلى لقائه والفوز بجنانه.



وهذان السببان كلاهما يضبطان أعصابه، ويمدان روحه وبصيرته بمدد من الله، ويحققان له الرجولة والبطولة في المواقف الحرجة، فيكون على حد قول الشاعر المخاطب نَفْسَه:
أقول لها وقد طارت شعاعاً
من الأبطال ويحك لن تراعي
فإنك لو طلبت بقاء يوم
على الأجل الذي لك لن تطاعي



وقول الشاعر الآخر المسلي لنفسه، المقوي لعزيمته، بتصويره الواقع الذي لا مفر منه في سنة الله الكونية والشرعية:
أقول لها إذا جشأت وجاشت
مكانك تحمدي أو تستريحي



بل يكون هو أعلى شأناً منهما، وأقوى صبراً، وأعز نفساً، وأصدق عزيمة، لما انحشى في جوانحه من حب الله وتعظيمه، والشوق إليه و الإخلاص له قصداً وعملاً، والله الموفق.



الثامن والخمسون بعد المائة:

في حصر الابتهال إلى الله بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ اعتراف من العابد لله بأن الله هو الذي أقدره ويقدره على العبادة، ففي هذا تجديد لحمد الله وتأكيد لمعاني التوحيد المرضي لله، ولذا جعلها الله بينه وبين عبده، كما ورد الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك حيث قال في ضمنه:"هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل"[1]. فإن هذه الآية التي ارتبط بها ما بعدها هي خير ذخيرة للمؤمن الصادق فيما بينه وبين الله، فمن واجب المبتهل بها أن يفرغ قلبه مما سوى الله ويصفيه لله وحده، وأن يندفع بجوارحه إلى لله حسب أوامره مستمطراً عونه تعالى ومدده، والله لا يخيبه أبداً، ولن يخلف الله وعده.



التاسع والخمسون بعد المائة:

هذا التعليم من الله لعباده لذلك الابتهال بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ وتكريره المتواصل في كل ركعة وفي كل قراءة، يشعرهم بوجوب الاستقامة على عبادة الله، والحيلولة دون ما يعوقهم أو يصدهم أو يفتنهم عنها، وذلك بحماية عقيدتهم وصيانتها، والعمل على نشرها وتقويتها، والدفع بها إلى الأمام، كيلا يسمحوا لأي تيار أن يجرفهم عنها.



وحماية عقيدتهم هي بالاكتفاء بوحي الله كما أوضحناه في الأمر الثامن والتاسع والأربعين بعد المائة، وصيانتها بالابتعاد التام عن الملاحدة والمبتدعين وسد المسامع عما يشيعونه ويذيعونه في وسائل إعلامهم، ورفضها ومقارعتها لمن عنده علم بتزييفها، وحصانة عن التأثير بها، والمحاذرة من جميع وسائل الفتنة عن العقيدة والدين بقطع مادتها، وعدم السماح بدخولها أو انتشارها، وحفظ الثغور الحسية أو المعنوية عن تغلغلها، ومقاطعة أهلها من المتساهلين بالدين، أو المشككين فيه، أو المحرفين لنصوصه، والمحاولين تقريبه إلى نظريات الماديين والفلاسفة، أو تأويله حسب أذواقهم، فإن بغضهم وهجرهم من الواجبات، قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [الأنعام: 68] وقال تعالى في الآية (140) من سورة النساء: ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ﴾ فضرر المنافق والملحد أشد بكثير من ضرر الكافر الأصلي الصريح، وهو أشد فتكاً في الروح من الجرب المعدي للجسم.



وخير مشغل للقلب والحواس عن الغزو الفكري ما قدمناه في الأمر الثامن والتاسع والأربعين بعد المائة، وما ذكرناه قبلها في عدة وجوه مع الانشغال بنشر الدعوة وتركيز العقيدة، والاعتناء بتدعيمها، والدفع بها إلى الأمام، فإنه مع نفعه للناس فيه وقاية لصاحبه بإذن الله.



الستون بعد المائة:

تعليم الله للمؤمنين هذه الضراعة ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ بصيغة الجمع، وكون الفرد منهم ملزماً بهذه الصيغة، فيه إعلام من الله مؤكد بالتذكير بأن هذا الدين الإسلامي الحنيف هو الرابطة الوحيدة بين المسلمين على اختلاف أجناسهم ولغاتهم وتباعد أقطارهم وبلادهم، فهو الذي يجعل جميع الأمم الإسلامية كمجتمع واحد وأسرة واحدة؛ حتى يصبحوا بهذه القوة المتكتلة كالجسد الواحد، طبقاً لما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بأعظم وصف وأجمعه حيث قال: "إن مثل المؤمنين في تراحمهم وتعاطفهم وتوادهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"[2]. فربط الإسلام المسلمين فيما بينهم كربط كل عضو من أعضاء البدن بالآخر إذا تألم جزء منه تألم كله ولا يستقيم تماماً إلا بالفلاح الذي يرد له العافية مما أصابه وبتركه فالمرض يسري ويستفحل شره، فكذلك الأسرة الإسلامية في جسدها الممتد في مشارق الأرض ومغاربها يجب عليها رعاية هذا الجسد، والعمل على وقايته من الأمراض الحسية والمعنوية، وصيانته من كل نائبة، والدفاع عن كل جزء منه، بل الصولة الصحيحة دون حماه، ليكون مرهوب الجانب، وأن يتكاتف المسلمون المؤمنون جميعاً على تحقيق هذه الوحدة المؤكدة في وحي الله، والتي يكررون الضراعة مع الله بمقتضاها في كل تلاوة للفاتحة، وفي كل ركعة من الصلاة أيضاً، وأن يقضوا على كل مظاهر الفرقة، ويجتثوا جذورها، وأن يحاربوا جميع التيارات المناوئة لهذا الدين بعقيدته الوحدوية، محاربة علمية دقيقة شاملة، لأن تلك التيارات غزت الأدمغة باسم العلم والفن، فمقابلتها بغيره شطط لا يجدي نفعاً، فلا بد من تكريس جهودهم لمقاومة المذاهب الفكرية مقاومة علمية عميقة، ونقدها نقداً مفنداً دامغاً، وأن يقابلوا كل مؤسسة بمثلها مما يعارضها وينقضها، فيقابلوا المدرسة بمدرسة، والجامعة بجامعة، ودور.



التربية والحضانة بمثلها، والمعاهد والمجامع العلمية المادية بما يقابلها من المعاهد الإسلامية، ومعاهد التربية الحديثة المادية بمعاهد تربية روحية تفوقها، ويقابلوا النوادي الثقافية والرياضية الناشفة من الدين بنوادٍ أخرى مشبعة بروح الدين، ويقابلوا المكتبات المادية أو المكتبات المؤسس بعضها أو أكثرها لخدمة المذاهب الفكرية والمبادئ العصبية الجاهلية المجددة بمكتبات تخدم العقيدة الإسلامية، وترويج كتبها بأحدث وسيلة وأرخص ثمن، ويقابلوا الصحف المادية والمغرضة، بصحف دينية فيها تركيز على العقيدة وكشف الباطل وإظهار عورات أهله، ويقابلوا الإذاعات المغرضة وسائر الإعلام من القصص والمجلات و أشرطة الأفلام وغيرها بإذاعات ووسائل إعلامية أخرى توجه الناس إلى الحق وتضبط عقولهم وأوقاتهم، وتحفظها من سرقة شياطين الإنس واختطافها، وهكذا فليقابلوا كل وسيلة هدم بوسيلة بناء، ويرخصوا أنفسهم وأموالهم في سبيل ذلك، ويحتفوا بولاة أمورهم، ويسندوهم ويتعاونوا معهم، ويتركوا المواقف الانعزالية والحالات الانهزامية، فلا يتلبسوا بها أبداً، ليكونوا من الصادقين مع الله، ويجب ذلك ويتعين بصفة حتمية على ولاة أمور المسلمين من الملك الكبير إلى الموظف الصغير، لينتشلوا جسد هذه الأمة الذي تداعت عليه عصابات الضلال من كل ناحية بشتى أنواع الإثم والعدوان، وبجميع أنواع الغزو الفكري والعسكري والحروب الباردة والكاوية، والتي تلتقي فيها جميع المعسكرات على حرب الإسلام وتحطيم جسمه حسبما خططته لهم اليهودية الصهيونية على أيدي الماسونيين وعملائهم وكسبهم من المنصبغين بدعايتهم والمتلطخين برجسهم والذين كانوا لهم عوناً، بل كانوا أشد على الإسلام منهم، لتنديدهم بالإسلام وتشهيرهم بالمسلمين، أو مناصرتهم لأعداء الله وأعداء المسلمين باسم القومية أو بدعوى النفعية، مما جعلهم يستفزون قصار النظر ضدهم بسبب المواقف التي خذلوهم بها، وقد عملت الماسونية اليهودية على إبراز هذا الداء الدوي في جسم الأمة الإسلامية لهذا الغرض، كما قامت من قبل بإشغال الملوك والسلاطين بأنواع الفتن وألوان المطامع والأهداف الأنانية عن نجدة من يستحق النجدة، كما حصل للسلطان التركي الذي قصر همته على احتلال مصر في وقت تكالُب الصليبيين على الأندلس، ولم يعبأ بنصرة أهله وانتشالهم من مخالب الأعداء، على الرغم من استنجاد الملك به، ولو قدم لنصرة مسلمي الأندلس وانتشال بلادهم لظفر بالجميع وحصل له أكثر من مراده، وكان عزة الدهر ومفخرة التاريخ، وكانت نجدته أعظم نفعاً للمسلمين وأشد قمعاً للكفار من نجدة المعتصم للمستنجدة به القائلة وامعتصماه.



وما أحوج المسلمين اليوم في كل مكان إلى أمثال (معتصم) ينجدهم ممن يتجنى عليهم ويقسرهم قسراً على ترك دينهم بشتى أنواع التنكيل، والتضييق عليهم بالمعيشة حتى في حرمانهم من الاكتساب، والعمل على إبادتهم بما يختلقه من الأكاذيب، وإن الذي يقوم بنجدة المسلمين ويتبنى قضاياهم ويكون صاعقة على أعدائهم؛ سيحتل مكانه عظيمة فريدة في هذه المعمورة، وتكسب حكومته التي تقوم بذلك أعظم وأكبر ثقة، وتكون معقد آمال المسلمين بإذن الله ومهجرهم ومحط رحالهم،، ويجعل الله لها رهبة في قلوب العالم، فينصرها بالرعب الذي جعله نصرة لنبيه صلى الله عليه وسلم وللصادقين من خلفائه إلى يوم القيامة.



وهذه الرابطة الإسلامية هي التي تدل عليها نصوص الوحي ومقتضياته من كتاب وسنة، وليس في ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ فقط، بل في نصوص كثيرة، فقد أكثر القرآن الكريم إطلاق النفس بصيغة الجمع مريداً الأخ، تنبيهاً منه - تبارك وتعالى- على أن رابطة الإسلام تجعل المسلم أخاً للمسلم كنفسه، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾[النساء: 29]،﴿ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ﴾ [البقرة: 84]، أي: لا يقتل بعضكم بعضاً، فلا تقتلوا إخوانكم ولا تخرجوهم، وقوله: ﴿ وَلَا تَلْمِزُوآ أَنْفُسَكُمْ ﴾ [الحجرات: 11] أي: إخوانكم. وقوله: ﴿ لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا ﴾ [النور: 12] أي: بإخوانهم، وقوله﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾ [البقرة: 188] أي: لا يأكل أحدكم مال أخيه، وقوله صلى الله عليه وسلم:"المسلم أخو المسلم لا يخذله و لا يسلمه التقوى هاهنا - يشير إلى صدره- بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه"[3]. وقال أيضاً: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه المؤمن مثل ما يحب لنفسه"[4]. كما هو نص الإسماعيلي من طريق روح ابن عبادة عن حسين المعلم، وكلاهما صحيحان متفق عليهما من رواية قتادة، وقوله صلى الله عليه وسلم: "المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضاً"[5]. وقوله: "ما من مؤمن نصر مؤمناً في يوم يحب فيه نصرته إلا نصره الله في يوم يحب فيه نصرته، وما من مؤمن خذل مؤمناً في يوم يحب فيه نصرته إلا خذله الله في يوم يحب فيه نصرته"[6]. والنصوص في ذلك كثيرة مشهورة، وقد قدمت طرفاً صالحاً مما يجب على عباد الله المسلمين المؤمنين نحو بعضهم البعض، وذلك من خلال الوجه الخامس والأربعين إلى ما فوق التسعين، وفي خلال تلك ذكرت أن العابد لله لا يترك أخاه المؤمن عرضة للأحداث وفريسة للظلمة، هذا يعضه وهذا يفتنه أو يفنيه، وأن العابد لله يدخل السرور في بيوت المسلمين، ويذب عنهم كل نائبة ويحمي ذمارهم - فليرجع إلى تلك الوجوه من طلب الزيادة- والحاصل: أن الرابطة الحقيقية والدعامة الصالحة الثابتة هي رابطة الدين ودعامته وأن النداء بأي رابطة غير الإسلام من الروابط القومية والمذاهب المادية ممنوع بإجماع المسلمين ولا يجوز قطعاً، بل هو إما أن يكون معصية كبيرة وإثماً عظيماً، أو يكون شركاً مخلاً بأصل العقيدة ومضاداً لها كما أوضحناه سابقاً، ونزيد هنا إيضاحاً: أما كونه معصية وإثماً عظيماً فإنه مخالفة للأمر وارتكاب للنهي، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس منا من دعا إلى عصبية"[7] وقال في حديث جابر الذي رواه البخاري وغيره: "دعوها فإنها منتنة" فقوله: "دعوها" أمر صحيح بتركها، والأمر المطلق يقتضي الوجوب على التحقيق كما قرره الأصوليون؛ لأن الله يقول:



﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النور: 63]، ولأن الله اعتبر إبليس عاصياً بمخالفة أمر واحد فأبعده من ملكوت السموات، ولعنه بالطرد من رحمته، ومن تأمل في واقع كل أمة إسلامية عتت عن أمر ربها ورسله ونادت بالقومية ونحوها من المبادئ العصبية والمادية، وجدها تتخبط في صنوف الفتنة وعذاب الشقاق والأزمات المتلاحقة نتيجة الحرمان من رحمة الله ووجد طواغيتهم الذين تبنوها سياسياً وفلسفياً قد حاق بهم الرجم الحسي والمعنوي، الذي هونصيب الشياطين المبتعدين عن أمر الله وصراطه المستقيم، وإذا كان الأمر المطلق للوجوب شرعاً وعقلاً، فقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر والنهي بقوله: "فإنها منتنة"[8].وحسبك بالنتن موجباً للابتعاد التام، لدلالته على الخبث البالغ المضر في العاقبة، فدل هذا الحديث الصحيح على مخالفة النداء بالقومية ونحوها، لأمر الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وأن صاحبه متعاطٍ للنتن الخبيث، والله - جل وعلا- يقول: ﴿ الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ﴾ [النور: 26] ويقول تعالى في وصف نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ﴾ [الأعراف: 157] لاسيما وقد تبرأ من ذوي العصبيات، ونفى حكم الشهادة عن المقتول في سبيلها بقوله صلى الله عليه وسلم: "ومن قاتل تحت راية عمية يدعو إلى عصبية فليس مني ولست منه"[9]. وقال صلى الله عليه وسلم: "الشهيد من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا"[10]. وهذا حصر لمدلول الشهادة على ذلك، ولا سيما وقد ورد جواباً على أسئلة الصحابة عن الرجل الذي يقاتل شجاعة أو حمية عصبية، فأجابهم بذلك، وورد عنه صلى الله عليه وسلم في أصح الأحاديث أنه قال: "أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئٍ مسلم بغير حق ليهريق دمه"[11].والإلحاد: هو الميل عن دين الحق بأي صورة، وسنن الجاهلية كثيرة قد تبلغ المئات، منها ما يتعلق بالأصول: كدعوى القومية والوطنية، والحب والبغض لغير الله، والمولاة والمعاداة في غير سبيله، بل في سبيل العصبيات والمنافع والمصالح، ورفض الحكم بما أنزل الله والحكم بغيره، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو عكسهما، والانصراف عن الله إلى غيره بأي حال من الأحوال، وتقديس الأشخاص والمذاهب والمبادئ، والغضب لهم دون الغضب لله. وهذا كله و أضعافه متحقق الوقوع ومجهور به في عالم القوميات كلها.



ومنها ما يتعلق بالفروع، كالتبرج ونحوه، وأكل الربا والميتة، والرسول صلى الله عليه وسلم أتى بلفظ التعميم الشامل للجميع، وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "أبغض الناس إلى الله" دليل قاطع على أن المتلبس بشيء من هذه الصفات هو أبغض الآدميين إلى الله، ومما يدل على التحريم الشديد للعصبيات القومية والمذهبية قوله صلى الله عليه وسلم: " ليس منا من ضرب الخدود أو شق الجيوب أو دعا بدعوى الجاهلية"[12] وهذا تصريح منه صلى الله عليه وسلم بالبراءة منه. وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً: "ومن دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جُثَا جهنم، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم".[13]. وقال أيضاً - صلوات الله وسلامه عليه-: " من تعزى عليكم بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا"[14]. وهذا حديث صحيح أخرجه الإمام أحمد في مسنده والنسائي وابن ماجه والضياء المقدسي والطبراني في الكبير كلهم بالإسناد إلى أُبي كعب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم.



قال في (أضواء البيان):

فانظر كيف سمى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك النداء: (عزاء الجاهلية) وأمر أن يقال للداعي به: (اعضض على هن أبيك) أي: فرجه، وأن يصرح له بذلك ولا يعبر عنه بالكناية، فهذا يدل على شدة قبح هذا النداء، وشدة بغض النبي - صلى الله عليه وسلم - له. واعلم أن رؤساء الدعاة إلى نحو هذه القومية العربية أبو جهل وأبو لهب والوليد بن المغيرة ونظراؤهم من رؤساء الكفرة- إلى أن قال: واعلم أنه لا خلاف بين العلماء - كما ذكرنا آنفا- في منع النداء برابطة غير الإسلام، كالقوميات والعصبيات النسبية، لاسيما إذا كان النداء بالقومية يقصد من ورائه القضاء على رابطة الإسلام ورفض الرابطة السماوية.. إلى آخر ما قاله في ج3/ص445- جزاه الله خيراً.



وأما كونها قد تكون شركاً مناقضة لملة إبراهيم ومصادقة لأصل التوحيد فيما قرره بعضهم أو كلهم في فلسفة قوميتهم وأصولها من أن النصراني ونحوه إذا كان عربياً أفضل وأولى بالنصرة والمؤاخاة من مسلم غير عربي، وقد جرتهم هذه القاعدة إلى التخلي عن قضايا المسلمين في كل مكان، ولاسيما في الهند وكشمير والزنجبار ونيجيريا وقبرص وغيرها، ولم يكفهم مجرد التخلي، بل عكسوا الأمر، فساعدوا خصومهم من النصارى والمجوس والوثنيين، ووقفوا إلى جانبهم، وهذا أقوى أنواع الموالاة التي نهى الله عما هو أقل منها في القرآن، وأجرى مواليهم كمجراهم، ففي أول سورة الممتحنة سبع آيات افتتحها الله بقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ ﴾ [الممتحنة: 1] فنهى عن الإلقاء إليهم بالمودة إشعاراً منه بطريق الأولى عن مؤازرتهم، فضلاً عن مساعدتهم على المسلمين، فهذا كفر كما نصت عليه آيات سورتي المائدة والتوبة، ثم أمرنا بعد ذلك باتباع ملة إبراهيم - عليه الصلاة و السلام- والاقتداء به في منابذته للكفرة من قومه، وهذا يهدم أفكار القوميين من أساسها، ثم رخص في البر لمن لم يعادنا في الدين ويوالِ المعادين أو يظاهرهم على إخراجنا من أي بلد، ومعروف مواقف النصارى ونحوهم من مساندة الصهاينة ضدنا في فلسطين، وتشجيعهم للاحتلال في كل بقعة تكون الأغلبية لهم، وقومنا يعكسون الأمر فيستدلون بالآية الثامنة التي فيها مجرد البر للمسالم منهم على موالاتهم وتفضيلهم على المسلمين الأعاجم، ويعمون عن الآيات السبع قبلها؛ لأنها تعكس مقاصدهم وترغم أنوفهم، وقد قال - جل وعلا-: ﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ﴾ [المجادلة: 22]. فالآيات كثيرة في المنع الشديد عن حب الكافر أو موالاته ولو كان أقرب قريب. ولكن القوم يقلبون الحقائق ويلبسون على مستمعيهم باعتراف بعض الحكومات المحسوبة على الإسلام بدولة الصهاينة، وهؤلاء حكومتهم علمانية مثلهم لا مسلمة كشعوبهم، فما ذنب الشعب المسلم إذا ابتلي بحكومة علمانية أبرزها المكر والعهر السياسي المنبثق من المعسكرين؟ هذا من أظلم الظلم، ولكن الله فضحهم بمساندتهم حكومات كافرة معترفة بدولة العصابات الصهيونية على المسلمين الذين لم يعترفوا بإسرائيل كموقفهم من (نيجيريا وقبرص وباكستان) ومناصرتهم للوثنين والنصارى حتى من غير العرب، كالهند المعترفة بإسرائيل والتي جعلت بلادها مسرحاً لها، وليس هذا موضع بسط أحوالهم ومتناقضاتهم لأنه تفسير، ولكن اضطررنا لذكره استطراداً لبيان مناقضة مدلول الشهادتين، وهدم الملة الخبيثة بتفضيل الكافر وتأييده على المسلم ومن مناقضة فكرة القوميات لأصل الدين، وسعيهم الدائب على تأسيس دولة علمانية تسمح لكل مفترٍ على الله أن يجهر بفريته ويدعو لها، وتكبت المسلم عن مقاومتها بحجة الطائفية، وهذا إعلاء لكلمة الكفر بشتى أنواعها، وخفض لكلمة الله، خلافاً لمقصود الله من إرسال الرسل ومشروعية الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يخفي أن أسلافنا إنما فتحوا البلاد ومصروا الأمصار باسم الإسلام ورابطته الدينية لا بأي رابطة قومية أو مادية مما بثه اليهود وتبناه تلاميذ الماسونية.



الحادي والستون بعد المائة: الضراعة إلى الله سبحانه بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ بصيغة الجمع، لا يقصد بها جمع المفرد؛ لأن الشخص الواحد لا يكون جمعاً، كما لا يقصد التعظيم بنون الجمع؛ لأن العابد ضارع إلى الله بذكر نفسه بالعجز والذلة لا بالعظمة والرفعة، بل نون الجمع هنا تعبير من المسلم عن مجموع المسلمين كما علمه الله، لذلك فهو:

أولاً: كالتأكيد بأن المؤمنين إخوة تتساوى أقدامهم في عبادة الله والتحرك لها، والتوجه إلى الله وطلب المدد منه، فلو قال: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ لكان مقتصراً على ذكر عبادة نفسه دون غيره، وهذه فرقة وأنانية مخالفة للتضامن والارتباط، والله يربي عباده على عكس ذلك، ويوجههم إلى ما يحصل به صفاء قلوبهم، واتحاد هدفهم الصحيح نحوه، ووحدة صفوفهم في حياتهم الدينية، التي هي على خلاف حياة الماديين، حتى إن بعضهم يستسقي لبعض في صلاة الاستسقاء والقنوت بدعائه، شعوراً عميقاً منهم بهذه الوحدة والاتحاد.



فإذا قال المسلم الصادق: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ فقد ذكر عبادة نفسه وعبادة غيره من المسلمين في سائر بقاع الأرض على العموم، لذلك الارتباط العقائدي الذي يجعلهم عصبة واحدة متضامنين في معاملتهم مع الله، وعلاقتهم به في سائر نواحي حياتهم التي يجب أن تكون متكيفة بروح العبادة لله قلباً وقالباً، وظاهراً وباطناً، ليتحقق الوصف النبوي السالف الذكر.



وثانياً: في الضراعة باسم المجموع تنبيه على حتمية الإتيان بالصلاة مع الجماعة، وقد اعتبرها بعض المحققين شرطاً لصحتها، والأحاديث الصحيحة تؤيد ذلك، لاسيما عدم سماح النبي صلى الله عليه وسلم للأعمى الذي لا قائد له، ويعتذر بالبعد وكثرة الهوام بالمدينة، إذ كان جوابه له بما معناه: لا أجد لك رخصة وأنت تسمع النداء[15].



وشيء ثالث في صيغة الجمع بهذه الضراعة وهو: إحساس العبد بنقصه في عبادته وحده وعدم استحقاقه للتقدم بذكرها وحدها، فعلمه الله أن يتقدم بعبادة جميع العابدين بلفظة واحدة، وهذا - أيضاً- تربية من الله لعبده ضد الانعزالية، وإشعار لها بالارتباط بالمجموع كما تقدم.



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al-islah.3oloum.com
 
تفسير سورة الفاتحة ( 9 )
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الإصلاح :: تدبر القرآن الكريم-
انتقل الى: