(المسائل الخمس)
------------
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله:
الواجب عليك: أن تعرف خمس مسائل:
- الأولى: أن الله لما أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق؛ أن أول كلمة أرسله الله بها، قوله تعالى: (يا أيها المدثر، قم فأنذر، وربك فكبر). ومعنى قوله: (فأنذر) الإنذار عن الشرك بالله، وكانوا يجعلونه ديناً، يتقربون به إلى الله تعالى، مع أنهم يفعلون من الظلم، والفواحش، ما لا يحصى، ويعلمون أنه معصية.
فمن فهم هذا فهماً جيداً؛ أن الله أمره بالإنذار عن دينهم الذي يتقربون به إلى لله قبل الإنذار عن الزنا، أو نكاح الأمهات والأخوات، وعرف الشرك الذي يفعلونه، رأى العجب العجاب، خصوصاً إن عرف أن شركهم دون شرك كثير من الناس اليوم، لقوله تعالى: (وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيباً إليه ثم إذا خوّله نعمة منه نسي ما كان يدعوا إليه من قبل وجعل لله أنداداً ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلاً إنك من أصحاب النار) (الزمر:8).
- الثانية: أنه لما أنذرهم عن الشرك، أمرهم بالتوحيد، الذي هو: إخلاص الدين لله؛ وهو معنى قوله تعالى: (وربك فكبر) يعني: عظمه بالإخلاص، وليس المراد تكبير الأذان وغيره، فإنه لم يشرع إلا ّفي المدينة.
فإذا عرف الإنسان أن ترك الشرك لا ينفع إلا إذا لبس ثوب الإخلاص،وفهم الإخلاص فهماً جيداً، وعرف ما عليه كثير من الناس، من ظنهم أن الإخلاص وترك دعوة الصالحين تَنقص لهم كما قالت النصارى: إن محمداً يشتم عيسى، لما ذكر أنه عبد الله ورسوله، ليس يعبد مع الله تعالى.
فمن فهم هذا عرف غربة الإسلام، خصوصاً إن أحضر بقلبه، ما فعل الذين يدعون أنهم من العلماء، من معاداة أهل هذه المسألة، وتكفيرهم من دان بها، وجاهدهم، من عباد قبة أبي طالب، وأمثالها؛ وقبة الكواز، وأمثالها؛ وفتواهم لهم بحل دمائنا، وأموالنا، لتركنا ما هم عليه؛ ويقولون: إنهم ينكرون دينكم.
فلن تعرف هذه والتي قبلها، إلا بإحضارك في ذهنك، ما علمت أنهم فعلوا ذلك مع أهل هذه المسألة، وما فعلوه مع المشركين؛ فحينئذ تعرف أن دين الإسلام، ليس بمجرد المعرفة، فإن إبليس، وفرعون، يعرفونه، وكذلك اليهود، يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وإنما الإسلام، هو العمل بذلك. والحب والبغض، وترك مولاة الآباء، والأبناء في هذا.
- الثالثة: أن تحضر بقلبك: أن الله سبحانه، لم يرسل الرسول، إلا ليصدق ويتبع، ولم يرسله ليكذب، ويعصى؛ فإذا تأملت إقرار من يدعي أنه من العلماء بالتوحيد، وأنه دين الله ورسوله، لكن من دخل فيه، فهو من الخوارج، الذين تحل دماؤهم، ومن أبغضه، وسبه، وصد الناس عنهفهو الذي على الحق، وكذلك إقرارهم بالشرك، وقولهم: ليس عندنا قبة نعبدها، بل جهادهم الجهاد المعروف، مع أهل القباب، وأن من فارقهم، حل ماله ودمه.
فإذا عرف الإنسان هذه المسألة الثالثة كما ينبغي، وعرف أنه اجتمع في قلبه ولو يوماً واحداً، أن قلبه قبل كلامهم أن التوحيد دين الله ورسوله، ولكن لابد من بغضه، وعداوته، وأن ما عليه أهل القباب، هو الشرك، ولكنهم هم السواد الأعظم، وهم على الحق، ولا يقول: إنهم يفعلون الشرك، فاجتماع هذه الأضداد في القلب مع أنها أبلغ من الجنون، هي من أعظم قدرة الله تعالى، وهي من أعظم ما يعرفك بالله، وبنفسك؛ فمن عرف نفسه، وعرف ربه، تم أمره، فكيف إذا علمت أن هذين الضدين اجتمعا في قلب (صالح) و(حيوان) وأمثالهما أكثر من عشرين سنة.
- الرابعة: أن تعلم أن الله أنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم: (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين).(الزمر:65).
مع أنهم راودوه على قول كلمة أو فعله مرة واحدة ووعدوه: أن ذلك يقودهم إلى الإسلام، فقد ترى، بل إذا عرفت أن أعظم أهل الإخلاص، وأكثرهم حسنات، لو يقول كلمة الشرك، مع كراهيته لها، ليقود غيره بها إلى الإسلام؛ حبط عمله، وصار من الخاسرين.
فكيف بمن أظهر أنه منهم، وتكلم بمائه كلمة، لأجل تجارة، أو لأجل أنه يحج، لما منع الموحدون من الحج، كما منعوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، حتى فتح الله مكة، فمن فهم هذا فهماً جيداً، انفتح له معرفة قدر التوحيد عند الله عزجل، وقدر الشرك؛ ولكن إن عرفت هذه بعد أربع سنين فنعماً لك، أعني المعرفة التامة، كما تعرف أن الفطرة من البول تنقض الوضوء الكامل، إذا خرجت، ولو بغير اختياره.
- الخامسة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم فرض الإيمان بما جاء به كله، لا تفريق فيه، فمن آمن ببعض، وكفر ببعض، فهو كافر حقاً، بل لابد من الإيمان بالكتاب كله.
فإذا عرفت أن من الناس من يصلي ويصوم، ويترك كثيراً من المحرمات، لكن لا يورثون المرأة، ويزعمون أن ذلك هو الذي ينبغي اتباعه، بل لو يورثها أحد عندهم، ويخلف عادتهم، أنكرت قلوبهم ذلك، أو ينكر عدة المرأة في بيت زوجها، مع علمه بقول الله تعالى: (لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) (الطلاق:1).
ويزعم أن تركها في بيت زوجها لا يصلح، وأن إخراجها عنه، هو الذي ينبغي فعله؛ وأنكر التحية بالسلام، مع معرفة أن الله شرعه، حباً لتحية الجاهلية لما ألفها، فهذا يكفر، لأنه آمن ببعض وكفر ببعض، بخلاف من عمل المعصية، أو ترك الفرض، مثل فعل الزنا، وترك بر الوالدين، مع اعترافه أنه مخطئ، وأن أمر الله، هو الصواب.
واعلم أني مثلت لك بهذه الثلاث، لتحذو عليها، فإن عند الناس من هذا كثير، يخالف ما حد الله في القرآن، وصار المعروف عندهم ما ألفوه عند أهليهم، ولو يفعل أحد ما ذكر الله، ويترك العادة، لأنكروا عليه، واستسفهوه، بخلاف من يفعل أو يترك، مع اعترافه بالخطأ، وإيمانه بما ذكر الله.
واعلم أن هذه المسألة الخامسة، من أشد ما على الناس خطراً في وقتنا، بسبب غربة الإسلام، والله أعلم.